العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (96)

الجمعة ١٨ أكتوبر ٢٠١٩ - 10:08

بقلم: د. غريب جمعة

اختيار العلامة التونسي محمد الخضر حسين شيخاً للأزهر

فترة تولي الإمام مشيخة الأزهر:

ذكرنا في بداية الحديث عن المرحلة المصرية من حياة الإمام أنها تنقسم إلى ثلاث فترات:

أ‌- فترة ما قبل توليه مشيخة الأزهر وقد تقدم الحديث عنها.

ب‌- فترة توليه مشيخة الأزهر وهي موضوع حديثنا بدءاً بهذه الحلقة.

ت‌- فترة ما بعد استقالته من مشيخة الأزهر (سيأتي الحديث عنها بإذن الله) وأحب قبل أن أدخل في تفاصيل هذه الفترة أن أضع بين يدي القارئ هذا التمهيد:

يقول الله تبارك وتعالى:

«والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين» [العنكبوت/69] 

أي والذين جاهدوا في حقنا ومن أجل نشر دعوتنا لنهدينهم إلى طرق الخير ورضوان الله وإن الله لمع المحسنين أعمالهم بالنصر في الدنيا والثواب في الآخرة.

ولعلك من خلال الحلقات التي قرأتها -وقد تجاوزت التسعين- تستطيع أن تقول في ثقة ويقين -بإذن الله- إن الإمام محمد الخضر حسين ليقف في طليعة ذلك الموكب الرباني المحفوف بهداية الله ومعيته جل جلاله.

وليس عجباً أن يقول أحد كبار علماء الأزهر وهو الشيخ محمد عبدالعظيم الزرقاني:

«إي وربي الله! إن الأستاذ الخضر لنفحة من نفحات الحق في هذا العصر، جاد بها الجواد على هذا الزمان العقيم، فأحيا به من موات الإسلام وجدد بعزمه من شباب الدين، ونضَّر بأخلاقه من وجه الفضيلة ورفع بنبوغه من منار العلم، وجبر بهمته كسر الشرق وأهل الشرق فإذا نحن رحبنا به فإنما نرحب بلسان الإسلام والدين والفضيلة والعلم والشرق والشرقيين».

ويعلق الكاتب الكبير الأستاذ محب الدين الخطيب على اختيار الإمام محمد الخضر حسين شيخاً للأزهر بقوله: 

«لقد كان هذا الاختيار برهاناً من الله عز وجل على أن من كان مع الله كان الله معه وعلى أن من عاش يؤثر الآجلة على العاجلة عند اختلافهما فإن الله يكافئه بخير مما يطمع فيه الذين يؤثرون العاجلة على الآجلة».

ويعلق الدكتور رجب البيومي أيضاً قائلاً:

«أما مشيخته الكبرى للأزهر فقد كانت دليلاً على أن الله لا يتخلى عن رجاله المناضلين، إذ يأبى عدله الرحيم أن يترك هذه الجهود المضنية في خدمة الدين واللغة والأدب تضيع بدون تقدير مادي ملموس، فرأى الأزهر لعهده حلقة ذهبية من حلقات الكمال والجلال والوقار».

ثمرة دعاء الأم الصالحة:

ولا يفوتني في هذا التمهيد -والكلام يتعلق بالإمام والأزهر- أن أذكر قصة يعرفها ويتداولها أهله وأصدقاؤه وتلامذته من العلماء.

قد عرفت فيما سبق أن والدة الإمام هي السيدة حليمة السعدية ابنة التقي الصالح (ولا نزكي على الله أحداً) الشيخ مصطفى بن عزوز المدفون في مدينة «نفطة» وهي شقيقة العلامة الأجل الشيخ محمد المكي بن عزوز دفين «استانبول» الذي كان إلى جانب كونه خال الإمام أستاذاً له.

تلك الأم الفاضلة لقنت ولدها علوم القرآن واللغة والأدب وحرصت أشد الحرص على تربيته التربية الإسلامية منذ الصغر.

إنها الأم المثلى التي كانت ترفع وليدها بين يديها في سنيه الأولى وتداعبه وهي تُنشد:

إن شاء الله يا أخضر... تكبر وتروح الأزهر

هناك في مدينة «نفطة» في أقصى الجنوب التونسي كانت تربت عليه وتضمه وتدعو له.

وبعد ما يقرب من ثمان وسبعين سنة!! في شهر المحرم سنة 1372هـ (1952) يصبح ذلك الوليد إماماً أكبر وشيخاً للأزهر.

واستجاب الله دعاء الأم الصالحة ولو بعد عشرات السنين والحمد لله رب العالمين.

والآن بعد هذا التمهيد الذي كان لا بد منه يأتي السؤال:

كيف تم اختيار الإمام لمشيخة الأزهر؟

وتجيب صحف تلك الأيام عن هذا السؤال فتقول:

«... كانت الوزارة تمر بأزمة حيال مشيخة الأزهر وراحت تبحث عن شيخ محايد يستطيع أن يجمع الصفوف وأن يخفف من حدة الخلافات بين المعسكرات المختلفة.

واضطرت الوزارة أن تلجأ إلى التاريخ لتجد هذا الشيخ المحايد، فقد اختارت فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين الذي يقف على عتبة الثمانين، وقد اعترض بعض الوزراء على هذا الاختيار لأن الشيخ تونسي الأصل ولم يحصل على الجنسية المصرية إلا من عهد قريب ولكن الشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف -حينئذ- أقنع الوزراء بأن منصب شيخ الإسلام يجب أن يكون للمسلمين قبل المصريين» (جريدة أخبار اليوم في 20/9/1952).

أما جريدة الأهرام فقد طالعت قراءها من قبل في صدر صفحتها الأولى في عدد 17/9/1952 بالمقال التالي:

«كانت مفاجأة حين خرج ثلاثة من الوزراء هم السادة: فتحي رضوان وأحمد حسن الباقوري وعبدالعزيز علي من مجلس الوزراء أثناء انعقاده وتوجهوا إلى جهة لم يشاؤوا ولم يشأ أحد أن يذكر عنها شيئاً ولكن الصحفيين رأوا أن يقتفوا أثرهم، ولشد ما كانت دهشتهم بالغة حينما رأوا الوزراء الثلاثة يدخلون بيتاً صغيراً من البيوت الواقعة في شارع خيرت (بالقاهرة) ويطرقون باب شقة متواضعة يسكنها فضيلة الأستاذ الجليل محمد الخضر حسين عضو جماعة كبار العلماء ورئيس تحرير مجلة الأزهر (سابقاً).

ولئن كانت هذه المفاجأة قد أدهشت الصحفيين فإن فضيلة الشيخ الجليل الأستاذ الخضر كان أكثر منهم دهشة حين تحدث إليه الوزراء الثلاثة وعرضوا عليه مشيخة الأزهر باسم مجلس الوزراء وباسم الرئيس محمد نجيب زعيم مصر وقائد ثورتها في يوليو 1952م ورئيس مجلس الوزراء في تلك الأيام.

- الأفندية الثلاثة!!:

ولننظر ما قاله الإمام -يرحمه الله- عندما طلب منه بعض الصحفيين أن يحدثهم عن ظروف اختياره لهذا المنصب الديني الكبير.

قال: «كنت أتأهب للنوم بعد العاشرة مساء عندما جاءت الخادم (يُقال هي خادم وهو خادم، المعجم الوسيط، ولا عجب فنحن مع إمام من أئمة اللغة) تنبئني بأن (ثلاثة أفندية) جاؤوا لزيارتي وفوجئت بهذا لأن أحداً لا يزورني في مثل هذه الساعة خصوصاً وأنا أعيش مع زوجتي -وحيدين معتكفين- ولم يرزقنا الله بأولاد.

وخرجت إلى الزائرين فعرفت منهم فضيلة الشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف الذي أعرفه معرفة وثيقة فسارع يقول: لقد وقع الاختيار عليك لتكون شيخاً للأزهر وقد جئت مع زميليَّ ثم قدمهما إليَّ لنبلغك هذا القرار ولما حاولت الاعتذار بعدم استحقاقي للمنصب الخطير لضعف صحتي قال الشيخ الباقوري: «هذا أمر تجنيد وفي هذا العهد المبارك تجند الكفاءات النزيهة لخدمة مصر» فأجبت: «وأنا لا أهرب من الجندية وليوفقنا الله. وودعني الوزراء الثلاثة الكرام بعد أن ألقوا إليَّ بهذه المهمة الكبيرة». أهـ

وصدر الأمر العالي بتعيين الشيخ محمد الخضر حسين شيخاً للأزهر في الثاني من المحرم 1372هـ الموافق 22 من سبتمبر 1952م ونحن نثبت هذا التاريخ من أصح وأدق المصادر لتفاوت بينها حول تاريخ ذلك التعيين.

ولا شك أن هذا التعيين قد زاد من مكانة مصر رفعة وشأناً إذ برهنت على أنها أم العروبة ومحضن الإسلام فِعْلاً حيث تفرح بأبنائها النجباء وتفتح لهم صدراً كريماً واسعاً حنوناً بغضّ النظر عن الجهات والبلدان التي نبتوا فيها وأتوا منها لأنهم أصبحوا أبناءها.

كما برهن الإمام على أنه يجب على العلماء والأدباء والمفكرين أن يكونوا رسل علم وسلام ومحبة وأخوة بين الشعوب حتى تجتمع الأمة الإسلامية على كلمة سواء لتكون كما أرادها خالقها عز وجل خير أمة أخرجت للناس.

(وإلى حلقة قادمة بإذن الله)

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news