العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الاسلامي

الهجرة النبوية نصر وتمكين (5)

الجمعة ١٨ أكتوبر ٢٠١٩ - 10:07

الهجرة النبوية نصر وتمكين (5)

بقلم: د. علي أبو هاشم 

انتقلت الدعوة الإسلامية بعد الهجرة النبوية المباركة من حالة الاضطهاد إلى التمكين، ومن حالة الخوف إلى الأمن والاستقرار، ومن الضعف إلى القوة والغلبة، ومن الشتات إلى الثبات فالانطلاق إلى ربوع الجزيرة العربية قاطبة، ثم إلى أرجاء المعمورة، وقد صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، يقول تعالى: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد). غافر: 51، ويقول تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله ولو كره المشركون). الصف:9، ويقول تعالى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون). الصافات:171-173، وبعد أن فتح الله مكة للرسول -صلى الله عليه وسلم- ودخل أهلها طائعين في دين الله مؤمنين وموحدين، وأصبحت مكة دار أمن وإيمان، انقطعت الهجرة المكانية، وخاصة من مكة إلى المدينة، ولكن يبقى الجهاد في سبيل الله، دفاعا عن العقيدة، وحماية للدين والعرض والوطن، وتثبيتا للحق ونُصرة أهله، فإذا دعا إليه ولي أمر المسلمين وجبت المبادرة إليه، وعدم التخاذل عنه، كما بينه الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا». أي: إذا دعاكم ولي الأمر للجهاد فأسرعوا بالإجابة لدعوته، وبعد ذلك يبقى نوع من الهجرة إلى الله ورسوله لم تنقطع أبدا إلى قيام الساعة، ولم ينته وقتها أبدا، وهي هجرة المعاصي والمنكرات، والبدع والضلالات، وهجرة الشهوات والشُبهات والفتن، وهي ما دعا إليها قوله تعالى: (ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين. ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين). الذاريات: 50-51، وهو ما وضحه الرسول. صلى الله عليه وسلم. فيما رواه البخاري بسنده عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ. صلى الله عليه وسلم. قَالَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ». إن الهجرة الباقية التي تجب على كل مسلم ومسلمة، هي هجرة السوء والشر، وهجرة البغي والاعتداء، لأن المسلم مصدر السلام والأمن، ولما كان اللسان واليد أشد الأعضاء إيذاء للآخرين، إما بالسب والاعتداء على أعراضهم، وكشف أسرارهم، وإشاعة قالة السوء عليهم، وهذا يكون باللسان، وإما بأخذ حقوق الآخرين ظُلما وعدوانا، وسفك دمائهم بغيا واستكبارا بغير حق، ونشر الخوف بين الناس، وهذا يكون غالبا باليد، ولذا خصهما الرسول. صلى الله عليه وسلم بالذكر، ولما سأل الصحابة. رضوان الله عليهم. رسول الله. عن أفضل خصال وأخلاق الإسلام وأحسنها، فأجابهم كما رواه البخاري في صحيحه عنْ أَبِي بُرْدَةَ. عَنْ أَبِي مُوسَى، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ. إن الهجرة الحقيقية الدائمة هي هجرة السوء والشر والأذى، وديننا الحنيف يدعو إلى مكارم الأخلاق، وجعلها أصلا ثابتا من أصول الدين، ودعائمه القوية التي تضمن بقاءه واستقراره. كما وضح ذلك ما رواه البزار وغيره عن أبي صالح، عَن أبي هُرَيرة، عَن النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيه وَسَلَّم قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». إن المسلم في هجرة حقيقية دائمة لا تنقطع إلا بالموت، حين يُحاسب المسلم نفسه، ويُراجع أعماله، فيرد المظالم إلى أهلها، فينتقل من حال المعصية، إلى حال الطاعة والإنابة والاستقامة، ويُعلن التوبة النصوح لله رب العالمين، وباب التوبة مفتوح لا يُغلق أبدا، وتوبة العبد مقبولة ما لم يُغرغر. أي يقع في سكرات الموت، فبادر أيها المسلم بهجرة الذنوب والمعاصي، وبدِّل ثوب المعصية بثوب الطاعة والاستقامة، فهذه هي الهجرة التي تهاجرها، واعلم أيها المسلم الكريم يرحمك الله أن الله تعالى لا يُغير ما بقوم حتى يُغيروا ما بأنفسهم، فإذا أردنا نصرا وتمكينا، وأمنا وأمانا، وقوة ومهابا، فلنهجر السوء والمنكرات، ولنهجر ما نهى الله عنه ورسوله، حينها يُمكًن الله للأمة، وتسود أمم الأرض، فتهابها الأمم وتخشاها، وهذا وعد الله لا يُخلف الله الميعاد. يقول تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). النور: 55، ولأنها أمة الاستقامة والعدل والرحمة، فقد استحقت خلافة الأرض لنشر الخير، وإقامة العدل. وقد أنجز الله وعده، فدخلت أمم الأرض في الإسلام، وتذوقت الإنسانية عدل الإسلام واستظلت برحمته حينا من الدهر، وما وقع للأمة من وهن وضعف في بعض مراحلها إنما كان بسبب ما اقترفته من البعد عن العقيدة الصحيحة، وهجر دينها، وانتشار الخبث فيها واتباعها للأمم الضلال، ولكنها سرعان ما تعود إلى رشدها، وترجع إلى سالف عهدها، وكلما جاءت ذكرى الهجرة المباركة، بزغ منها نور يهدي الحيارى إلى طريق النصر والتمكين. يقول تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ). إبراهيم:5، ويقول تعالى، (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز). الحج: 40.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news