العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الشجرة الكبيرة فيها الصمغ

لاحظت في السنوات الأخيرة أن معظم أبناء دفعتي في المراحل الدراسية المختلفة يحملون فوق رقابهم رؤوسا بها شعر شديد السواد، وانتبهت إلى أن من يظهرون بانتظام على الشاشة الفضية عاما بعد عام لا يسمحون بفسفسة أو فتفوتة شيب لتظهر على رؤوسهم، وانتبهت أيضا إلى أن التشبب، أي التعلق بمرحلة الشباب بعد النزول من قطارها، لم يعد وقفا على عامة الرجال والنساء، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين وعمره ناهز الستين يحلو له الوقوف أمام الكاميرات خالعا قميصه ومستعرضا نصفه العلوي ليؤكد للناس أن جسمه متماسك وخال من النتوءات (الكرش وتوابعها)، أما الرئيس الفرنسي السابق نيكولاس ساركوزي (52 سنة)، فلم يكتف بخلع القميص، كما فعل بوتين، بل خلع زوجته سيسليا وسار في الشوارع المعتمة ودخل الفنادق مصطحبا فتاة لهلوبة لعوبة اسمها كارلا بروني، لا تخطئ العين بأن عينها زائغة، ولا أفهم لماذا السعي للتبرؤ من تقدم العمر مع أن ذلك يفترض ان يكون نعمة.. عمرك 50 سنة.. ثم 63 سنة.. وعشت وشفت عيالك متزوجين وأحفادك يملؤون الدنيا مرحا وضجيجا: ما الذي يضايقك في ذلك فتسعى لاكتساب الشباب من الناحية المظهرية. (قد يقول البعض إنني شخصيا كثير الزوغان من موضوع العمر في مقالاتي وأنني ظللت في التاسعة والثلاثين سنين عددا وانتقلت على مضض قبل حين طويل من الدهر إلى سن ال49، وردي على هؤلاء هو أنني أعتقد أن عدد سنوات عمري لا تخص شخصا غيري، وأن ملامحي تفضح عمري الحقيقي لأنني لا أقوم بتزويقها وتزويرها).

وعموما فلولا كبار السن لربما بقيت البشرية إلى يومنا هذا في العصر الحجري، بمعنى ان الإنسان يزداد معرفة وخبرة بمرور الزمن، فالشاب يخطئ كثيرا ويندم على ذلك، ولكنه بعد ان يصير متقدما في العمر يتذكر تلك الأخطاء دون ان يحس مجددا بالندم لأنه تعلم منها الكثير (للكاتب الانجليزي الساخر اوسكار وايلد مقولة طريفة: الخبرة هي اسم الدلع الذي نطلقه على أخطائنا). هل كان من الممكن ان يقود ونستون تشيرتشل بريطانيا إلى النصر لو كان في الحكم وعمره كذا وثلاثين سنة؟ عندما صار رئيسا للوزراء كان عمره 66 سنة، والرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريجان خاض الانتخابات وفاز فيها وعمره 73 سنة. (تفاديت الاستشهاد بدونالد ترامب لأنه أمير المتصابين).

دعك من كل هؤلاء: هل يعرف التاريخ منذ بواكيره زعيما سياسيا في قامة نيلسون مانديلا الذي صار أول رئيس اسود لجمهورية جنوب إفريقيا بعد ان تجاوز الثمانين. في شبابه كان مانديلا يؤمن بإزاحة البيض عن السلطة باستخدام العنف، ولكنه وبحكمة السنين، ورغم انه خرج من السجن الطويل إلى قصر الرئاسة، فإنه تخلص من كل المرارات وقاد بلاده إلى بر السلام، وهي اليوم أغنى وأقوى دولة في إفريقيا وناتجها القومي أكبر من ناتج 15 دولة عربية مجتمعة، وتنازل عن الحكم طوعا، بل وتزوج وهو في التسعين، وفي استطلاع للرأي كان مانديلا الشخصية السياسية الأكثر احتراما في 120 دولة.

طبعا لمرور السنوات والعمر عواقب بعضها غير سار: أمراض واضطراب في النوم وربما في المثانة، ولكن معظم تلك الأمراض والاضطرابات فواتير مؤجلة من مرحلة الشباب، وبكل صدق فإنني لست ممن يقولون: ألا ليت الشباب يعود يوما/ فأخبره بما فعل المشيب، فهو لن يعود مهما قلت «وبكيت وشكيت»، إذن فلا معنى للبكاء على اللبن المسكوب.. وبصراحة: إذا كان ممكنا ان يعود لي شبابي بكل ما مارسته فيه من شطحات وأخطاء فلن أرحب به، ولست حكيما الآن، ولكنني بالتأكيد أقل تهورا ونزقا وطيشا، كما ان من نعم الله عليّ أنني لست ممن يعيشون على سنام الذاكرة وهو التباكي أو التباهي بما مضى، وهي عادة عربية جعلت صلاح الدين الأيوبي المثل الأعلى للبطولة لعدة قرون: طالما عندنا صلاح الدين سلفا فما الحاجة إلى الاقتداء به أو الإتيان بمثله؟

‭{‬ العنوان مثل سوداني مفاده ان التقدم في العمر تنتج عنه أشياء طيبة، وأشجار الهشاب لا تؤتي الصمغ إلا وهي كبيرة.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news