العدد : ١٥٢١٩ - السبت ٢٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٩ - السبت ٢٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

المال و الاقتصاد

الاستعداد للمخاطرة سمة راسخة في محور الاستثمار الخليجي-الآسيوي

الجمعة ١٨ أكتوبر ٢٠١٩ - 03:00

تسبّبت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، إلى جانب تصاعد التوترات في مضيق هرمز وتباطؤ وتيرة النمو العالمي، في حدوث حالة من عدم الاستقرار والتقلّبات في فئات الأصول والمؤشرات والعملات، لكننا نعلم من المثل الصيني القائل «في كل أزمة هناك فرصة سانحة محفوفة بالمخاطر»، أن رياح التغيير الخطرة هذه تضرب بقوة كل أسبوع، وعلى شنغهاي ودبي الاستفادة منها. إذ يشير المناخ الاستثماري المتباين بين الإقدام على المخاطر وتجنبها إلى ضرورة «تجنب» الأنشطة الاستثمارية المحفوفة بالمخاطر بشكل حاسم نظرا إلى حالة عدم الاستقرار التي تشهدها الأسواق حاليا، فما علينا سوى إلقاء نظرة على مستوى أداء سندات الذهب والخزانة الأمريكية في الأسابيع القليلة الماضية لنكوّن فكرةً واضحة عن الوضع العام السائد.

على الرغم من ذلك، يمكن للمستثمرين الذين يتسمون بالذكاء والجرأة أن يستفيدوا من مثل هذه البيئات غير المستقرة من أجل تحقيق عوائد مربحة، فما زال العديد من المستثمرين في آسيا ومنطقة الشرق الأوسط مستعدّين للمخاطرة أو حتى لديهم الشجاعة اللازمة للإقدام عليها. وهذا ما يُعدّ إلى حدٍّ ما سمةً مميّزة لكلا السوقين اللذين تتوطّد علاقتهما أكثر فأكثر في قطاعات الطاقة والتجارة والتمويل والعقارات والاستثمار.

وباتت علاقات الترابط هذه أكثر وضوحا اليوم في المراكز المالية الخليجية، مثل دبي، فتبدو جليةً في المناطق الحرة التي تحتضن مجموعةً متزايدة من الشركات الآسيوية بما في ذلك الفنادق الفاخرة، إذ تشير البيانات إلى وجود تحسّن ملموس في العلاقات التجارية المتبادلة بين الإمارات العربية المتحدة والصين. علما أن حجم التجارة الثنائية بين بكين وأبوظبي بلغ ذروته عند 11,2 مليار دولار أمريكي بحلول الربع الأول من هذا العام، محققًا زيادةً كبيرة بلغت نسبتها أكثر من 16% مقارنةً مع نفس الفترة من العام السابق.

وفي ظل خبرتنا التي تزيد عن قرن من الزمن في إدارة ثروات عملائنا العرب والآسيويين، فإننا نشهد بشكل مُتزايد اهتماما أكبر من جانب المستثمرين الآسيويين تجاه منطقة الشرق الأوسط.

ولا يقتصر اهتمام المستثمرين الآسيويين على الاستفادة من الفرص الناشئة في المنطقة نفسها بل يعدّ كذلك بمثابة بوابة للدخول إلى الأسواق الأفريقية الناشئة.

ولعل ذلك أمر طبيعي نظرًا إلى أوجه التشابه المشتركة الكثيرة بين المنطقتين فيما يتعلّق بنهجيهما المشترك الذي يمارسانه عادةً في الأعمال التجارية والتواصل بينهما.

وقد دفع هذا النهج المشترك الكاتبة إيرين ماير إلى اختياره كموضوع مهم لإدراجه في كتابها الذي حقق نسب قراءة عالية وحمل عنوان «الخريطة الثقافية» (The Culture Map)، والذي تصف فيه بشيء من التفصيل السمات المميّزة للتواصل في عالم الأعمال بين الثقافات المختلفة. وتشير ماير في كتابها أكثر مرة إلى «الثقافات ذات السياق العالي والثقافات ذات السياق المنخفض؛ فيميل المجتمع ذو السياق المنخفض إلى توجيه رسائل حرفية ومباشرة في عمليات التواصل، بينما تميل الثقافات ذات السياق العالي مثل آسيا والعالم العربي إلى توجيه رسائل ذات معنى أقل وضوحا ويتمحور بشكل أكبر حول ما تطلق عليه ماير: قراءة الأجواء؛ أي فهم المواقف المقصودة دون التعبير عنها».

وفي حال أردنا فهم الأجواء المحيطة بمجمّعات مكاتب الأعمال والمناطق الصناعية في دبي كمثال على ذلك، فلا يُمكن التغاضي عن التأثير الآسيوي المتزايد في الإمارة.

إذ تُفيد دائرة التنمية الاقتصادية في دبي أنه قد تم إصدار 618 ترخيصا تجاريا في العام الماضي للشركات الصينية العاملة في الإمارة، بزيادة تصل إلى أكثر من خُمس عدد التراخيص التي أُصدرت العام السابق. ويجب ألّا ننسى أن كل هذا يحدث في وقت قيل لنا فيه إن الاقتصاد العالمي يتعرّض للتهديد بسبب التعريفات التجارية وضعف الطلب وخسارة الوظائف.

كما أن هذه العلاقات التجارية الوثيقة تُشجَّع على المستوى الحكومي، والتي تنعكس من خلال إجراء سلسلة من الزيارات الحكومية التي بدأت برحلة الزعيم الصيني شي جين بينغ إلى الإمارات العربية المتحدة في العام الماضي. وأثمرت هذه الزيارة عن إبرام عدد من الصفقات الضخمة، مثل قيام شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) بمنح عقود بقيمة 1,6 مليار دولار أمريكي إلى شركة البترول الوطنية الصينية. 

وبالإضافة إلى قطاع الطاقة الاستراتيجي، فقد نتج عن الزيارة أيضا إنشاء مشروع «سلة الخضروات» في دبي بقيمة مليار دولار الذي يهدف إلى تجهيز المنتجات الزراعية والسمكية والحيوانية وشحنها إلى جميع أنحاء العالم عبر ما يُعرف باسم «طريق الحرير الجديد». كما تم الإعلان عن خطط لإنشاء «سوق التجّار» بالمنطقة الحرة في جبل علي الذي يشهد بالفعل وجودا آسيويا ملموسا بين قاعدة المستأجرين. تُعدّ منشأة «سوق التجّار»، الذي تبلغ مساحتها الإجمالية 60 مليون قدم مربع، محطةً دوليةً للمبادرة الصينية «الحزام والطريق» في دبي، ومن المنتظر أن تجذب استثمارات بقيمة 2,4 مليار درهم من الشريك الصيني في هذا المشروع. أما مشروع «سلة الخضروات»، فسيُمثّل محطة انطلاق لتصدير البضائع الصينية إلى جميع أنحاء العالم.

وفي الطرف الآخر من الإمارة، يُمكن القول إن «مدينة التنين» التي تواصل نموها، تعد أبرز معالم التجارة بين الصين والخليج في الإمارة، إذ تحظى المدينة بشعبية جارفة لدى سكان دبي نظراً لمجموعة منتجاتها العالمية والمعروفة بتكلفتها المنخفضة، ولاحتضانها سوق التنين «دراجون مارت» الذي يصل طوله إلى 1 كيلومتر ويعدّ أكبر مركز لتجارة التجزئة والتجارة خارج الصين. وقد حقّق المشروع نجاحا هائلا ما دفع شركة «نخيل»، شركة التطوير العقاري المملوكة لحكومة دبي، إلى اتخاذ قرار بإنشاء فرع ثانٍ حمل اسم «دراجون مارت 2» افتُتِحَ في عام 2015.

وفي مجال العقارات أيضا، أسهم تدفق المشترين الصينيين الكبير على شراء العقارات في تشجيع شركات التطوير العقاري على بدء أنشطة تطوير الأعمال في الدولة. ويجدر الذكر أن هؤلاء المستثمرين أسهموا في التصدي للرياح المعاكسة التي ولّدتها سياسات الحماية الجمركية العالمية والحرب التجارية التي لا تؤذي أطرافها الرئيسيين فقط، بل تلحق الضرر بالعديد من الدول الأخرى التي تعاني من أضرار جانبية نتيجةً لسلاسل التوريد المتداخلة.

مع ذلك هناك علاقات تجارية جديدة تنشأ يربط العديد منها بين الصين أو المملكة الوسطى والشرق الأوسط، على الرغم من تضاعف المعوقات أمام مجال التجارة. من المؤكّد أن هذه الأزمة العاصفة ستنطوي على رياح عصيبة وخطرة، إلا أنها رياح قد تحمل معها أيضا بعض الأخبار المبشّرة نظرا إلى ظهور علاقات قوية تجمع بين المستثمرين الخليجيين والآسيويين. هناك فرصة في كل أزمة ومكسب في كل مخاطرة.

بقلم فرانسوا. فرج الله، الرئيس العالمي لشؤون الشرق الأوسط 

وأفريقيا والدكتورة ماري أوينز تومسون، الرئيس العالمي للبحوث الاقتصادية لدى «إندوسويس» لإدارة الثروات 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news