العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عندما ينفر الصغير من أبيه

بحكم أنني ذهبت الى بريطانيا لأول مرة لدراسة فنون الإنتاج البرامجي التلفزيوني فقد أدمنت التلفزيون البريطاني سنوات طويلة ولم تتزحزح مكانته قليلا في «مزاجي» إلا بعد سيطرة القنوات التلفزيونية الأمريكية على الأثير، ومع هذا يبقى التلفزيون البريطاني في تقديري الأكثر عراقة في العالم بأسره.

وإليك قائمة ببعض البرامج التلفزيونية البريطانية التي ظلت تُبَث بانتظام لستين سنة أو أكثر قليلا: بانوراما، بلو بيتر، مسلسل كورونيشن ستريبت ومسلسل إمرديل، ودكتور هو، ونيوز راوند وهورايزن وماتش أوف ذا داي، ويعتبر برنامج نيوز راوند برنامجا شابا لأنه ظهر لأول مرة عام عبر بي بي سي في عام 1972 وغايته الأساسية تعليم وتنوير الأطفال، واستمراره قرابة نصف قرن من الزمان دليل نجاحه، ففي كل مؤسسة إعلامية غربية يتم رصد شعبية منتجاتها من صحف وأفلام وبرامج، وعند هبوط شعبية أي برنامج تلفزيوني -مثلا- يتم سحبه نهائيا، أو إعادة طرحه في قالب جديد مشوق.. مما يعني أنه لو لم يكن نيوز راوند والبرامج الأخرى أعلاه تجد القبول التام من شرائح واسعة من الجمهور لما استمرت عقودا طوالا.

 نيوز راوند قام مؤخرا باستطلاع بين أطفال بريطانيا كانت نتائجه محزنة: فنحو ثلثهم قالوا إنهم لا يعتبرون آباءهم «جزءا» من العائلة، بمعنى أنهم ينظرون إليهم كغرباء أو ضيوف عابرين وربما ثقلاء. وقال 76% منهم إنهم يثقون بأمهاتهم أكثر من ثقتهم بآبائهم، وخاصة فيما يتعلق بـ«الأسرار»، والانسان مهما كان عدد سنوات عمره لا يعطي سرّه الا لمن يثق به، ونحو 62% منهم قالوا إنهم يتمنون قضاء أوقات أطول مع آبائهم، ولكن الآباء يعودون الى البيوت منهكين و«خلقهم ضايق» ويلزمون غرفهم طلبا للراحة او النوم. ولحسن أو سوء حظنا في العالم العربي فإننا لا نعرف استطلاعات الرأي، ولا نحترم الإحصاءات، لأننا نخاف الأرقام، لأنها، مثل «الصورة»، لا تكذب، ولهذا فهي ترعب، ولو أُجري استطلاع مماثل في بلداننا لفجعتنا نتائجه، فالأب عندنا صار تدريجيا يسجل غيابا شبه تام عن حياة عياله، بل يتعرض الشخص المنضبط عائليا للمعايرة بأنه «يخاف من المدام»، وليثبت أنه لا يخاف منها يتمادى في السهر خارج البيت والتنقل من مكان الى آخر حتى ساعات متأخرة من الليل أو بواكير الفجر. فقد صار البيت مجرد محطة للراحة ما بين العمل وبرنامج المساء والسهرة.

فهل العيب والنقيصة أن تحسب حساب زوجتك، أم حساب ألسنة أصدقائك؟ أليس من «يخاف» من زوجته أكثر ثقة بأنها تأبه له وتريده بجوارها أكثر من الـ«عنتر» الذي يتباهى بأنه لا يقيم وزنا لنقنقة وشنشنة زوجته؟ ثم إنك عندما تخص أصدقاءك بمعظم وقت فراغك لتثبت أنك «سي السيد» فإنك تلقائيا تبتعد عن عيالك وتصبح في نظرهم مثل الآباء البريطانيين الذي قال عيالهم إنهم لا يعتبرونهم جزءا من العائلة.

أمر آخر في ذلك الاستطلاع حزّ في نفسي كثيرا، وهو ان ثلاثة أرباع الأطفال الذين استطلعت آراؤهم قالوا إنهم يتضايقون لأن آباءهم يمنعونهم من اللعب في الشارع. وشخصيا لم أسمح قط لأحد من عيالي الأربعة باللعب في الشارع في أي مرحلة عمرية، فثلاثة منهم ولدوا وأنا أعمل في منطقة الخليج وأكبرهم أتى معي الى الخليج وعمره أقل من سنة! ما معنى كلامي هذا؟ معناه أنني منعتهم من اللعب في الشارع لأنني لا أعرف الجيران، ولا أعرف طباع عيالهم: على شمالي هندي وبعده أسترالي وعلى اليمين فلبيني، يليه سوري بيته يلاصق بيت عائلة كورية؛ وعندما يكون الجيران غرباء في نظر بعضهم البعض لا يكون هناك مكان لحقوق الجوار، وحتى «أهل البلد»، في معظم أحياء هذا البلد الخليجي أو ذاك، يعانون «الغربة».. وبالمقابل عندما كنا صغارا، في الخليج وفي غيره من المناطق، كان أهلنا يطردوننا من البيوت كي نلعب في الشوارع، فقد كانوا واثقين بأن الكبار من حولنا -حتى من خارج الحي- سيوقفوننا عند حدودنا إذا تجاوزنا حسن الأدب، ولم تكن كلمة «تحرش» قد اخترعت بعد.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news