العدد : ١٥٢١٩ - السبت ٢٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٩ - السبت ٢٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

نحو الخلاص من أغلال الطائفية في العراق

بقلم: صادق الشافعي {

الاثنين ١٤ أكتوبر ٢٠١٩ - 01:00

إن الجذر أو العنصر الأساس الذي تنبت منه كل أشكال الخلافات والاضطرابات والمشاكل الداخلية التي يعاني منها العراق بكل تعبيراتها هو الطائفية وسيادتها كمحرك رئيسي لكل أمور الحكم ومؤسساته وتعبيراته وعلاقات المحاصصة بين مكوناته.

لقد ظلت الطوائف موجودة في نسيج المجتمع العراقي، وكانت تتعايش مع تنوع قومي وإثني أيضا. ولكنها ظلت كامنة دون تعبيرات لافتة تحت سقف حكم مركزي قوي، بجيش قوي واقتصاد قوي وأمن قوي أيضا، وفي زمن كان فيه العراق دولة مركزية في النظام العربي العام، وكان الفكر السائد هو الفكر الوطني المتناغم مع الفكر القومي العربي. لكنها لم تتحول إلى طائفية وتصعد إلى سطح المجتمع وحركته ومسار الحكم والدولة ومؤسساتها إلا في السنوات القليلة الماضية. 

ولعب الاحتلال الأمريكي المباشر لأرض العراق الذي بدأ في 2003 الدور المبادر والحاسم في صعودها وتغذيتها وانتشارها في كل مناحي الحياة السياسية العامة وهياكلها ومؤسساتها وعلى الحياة الاجتماعية للناس. وجعل منها واحدة من الأسس التي بنى عليها سياسة حكمه وسيطرته على العراق أثناء وجوده المباشر وفي إبقاء العراق ضعيفا ومحدود الدور بعد رحيله المباشر عنه. 

ولا يمكن تجاهل الدور الذي لعبه صراع المصالح والنفوذ في العراق، وعلى العراق وموقعه ودوره، بين دول في المنطقة ومن خارجها.

وترافق صعود الطائفية مع اختفاء شبه كلي للأحزاب العريقة التي كانت تملأ الساحة السياسية مثل الأحزاب القومية والشيوعيين وتلاشي كل دور سياسي ومجتمعي لها تقريبا. 

وتميز صعود الطائفية إلى السطح بأنها ظلت في مظهرها العام داخل إطار الدين الإسلامي ومذاهبه الأساسية: شيعة وسنة، مع وجود أكثر من تيار داخل المذهب الواحد. وتفاعل هذا المظهر العام مع بروز وحضور أقوى للقوميات الأخرى، الكردية بالذات.

كما تميز بانتشار السلاح والتشكيلات العسكرية وشبه العسكرية ذات المساحة من الاستقلالية داخل الطائفة نفسها، ما مكنها من فرض دور لنفسها في الحياة الطائفية، وفي الحياة السياسية والعامة ومحاصصتها.

ومع الطائفية وانتشارها، وفي حمايتها أيضا، يأتي الفساد بكل أشكاله وتعبيراته، وفي تربتها ينمو ويتغلغل في كل مناحي الحياة العامة ومؤسسات ودوائر الدولة.

في العراق، الفساد سبق صعود الطائفية إلى السطح. وظل، إلى حد ما، محصورا في نطاق ضيق نسبيا. لكن مع صعود الطائفية إلى السطح، انفلت من كل قيد وعيار ليصل إلى درجة من الانتشار والتنوع والاستهتار تقترب من الفجور.

ولأن الفساد لا يمكن أن يبقى أو ينحصر في حدود المال، فقد ظلت الدولة ومؤسساتها وهيئاتها والحصص والنفوذ فيها ساحة التنافس والصراع الأول بين الطوائف. وظلت احتياجات صراعاتها وتنافسها على النفوذ والمحاصصة هي التي توفر للفساد المالي مناخات الوجود ومساحات الانتشار. كما أنها هي من تؤمن له الحماية.

ولأن العراق هو بالأصل بلد نفطي وغني - ولا يزال كذلك- فإن الفساد لجهة المال، إضافة إلى إهدار المال العام، وصل إلى أرقام فلكية.

وبحسب رئيس الوزراء العراقي فإن الفساد في البلاد (العراق) تجاوزت قيمته ثلاثمائة (300) مليار دولار. أما إهدار المال العام فالحديث غير الرسمي يدور حول أكثر من ثمانمائة (800) مليار دولار خلال الـ15 سنة الماضية.

وهذا، إضافة إلى «كباش» المصالح الطائفية المباشرة ومحاصصتها، هو ما أوصل تردي التعامل مع أساسيات حياة الناس والخدمات التي يجب أن تقدمها لهم الدولة، إلى درجة الفحش. فلا يمكن تخيل أن تكون هناك في بلد نفطي، أزمات حادة ومزمنة وواسعة الانتشار في الخدمات العامة الأساسية التي يفترض أن تقدمها الدولة للمواطن مثل الكهرباء والماء، والعلاج و.... إضافة إلى البطالة بنسب مرتفعة جدا.

الخروج من الوضع الحالي للعراق لا يمكن أن يكون سهلا ولا سريعا بل هو صعب وربما جدا.

فالطوائف، ونظام المحاصصة الذي تتعامل به، هي صانعة هذا الوضع، ورموزها الأساسية أول وأكبر المستفيدين منه، وبالتالي لا يمكن أن تكون هي صانعة الخروج منه. ويزيد من صعوبة الخروج، عدم وجود قوى سياسية منظمة ذات حضور وثقل من فئات الشعب المختلفة، وعدم وجود اتحادات شعبية ونقابات ومنظمات مجتمع مدني قادرة على لعب دور مبادر ومؤثر في عملية الخروج.

هل يكون الحل باستمرار الحركة الاحتجاجية الشعبية الحالية وتطورها إلى حركة منظمة ومتماسكة تواصل مناهضتها لقوى الحكم الحالية وسياستها المجتمعية والخدمية  وتبلور خلال حركتها واستمرارها مطالبها الأساسية في برنامج يحظى بقبول جموع الناس وتأييدهم؟.

هل يمكن لهذه الحركة الاحتجاجية أن تكرر ما حصل في تونس عندما كانت حركتها الشعبية فاتحة باب الربيع العربي سنة 2011. هل يمكن أن تتحول الحركة الاحتجاجية إلى انتفاضة للشعب العراقي ضد نظام 2003 وكل منتجاته.

‭{‬ كاتب من فلسطين

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news