العدد : ١٥٢٧٥ - السبت ١٨ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٧٥ - السبت ١٨ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ جمادى الاول ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

تركيا الخاسرة إذا نفَّذ العرب قراراتهم

   إجماعٌ عربي، مع شذوذ مألوف من جانب قطر ومعها الصومال، فيما يتعلق بالموقف الذي كان يُفترض أن يُتخذ في مسألة العدوان التركي على أراضي الجمهورية العربية السورية، هذا العدوان يحمل في مضمونه وأهدافه نوايا تركية خطيرة من شأن تحقيقها أو عدم التصدي لها وإفشالها أن تهدد البنية الديمغرافية لسوريا، ذلك أن الأمر لا يتعلق باحتلال جزء من أراضي دولة عربية مستقلة ذات سيادة فحسب، وإنما الأخطر من ذلك النوايا التركية الخبيثة لإحداث تغيير ديمغرافي في الشمال السوري تحت مسمى «المنطقة الآمنة» و«إعادة اللاجئين السوريين إلى وطنهم»، فهذه المنطقة التي تسميها تركيا بــ«الآمنة» هي التي ستكون مسرح الجريمة الديمغرافية التي تنفذها أنقرة ضد أبناء الشعب السوري في المدن والبلدات الشمالية. 

   البيان الذي صدر عن الاجتماع الطارئ لوزراء خارجية الدول العربية في القاهرة والذي أدان -بما يشبه الإجماع التام- العدوان التركي على سوريا تنبه إلى هذه النوايا الخطيرة التي تهدد البنية الديمغرافية السورية إذ أكد البيان رفض جامعة الدول العربية «أي محاولة تركية لفرض تغييرات ديموغرافية في سوريا عن طريق استخدام القوة في إطار ما يسمى «بالمنطقة العازلة»، باعتبار أن ذلك يمثل خرقا للقانون الدولي ويدخل في مصاف الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي تستوجب الملاحقة والمحاسبة القضائية الدولية لمرتكبيها».

   الحكومة التركية، بكل تأكيد لن تكترث لهذا البيان ولن تتعاطى معه بأي جدية لقناعتها بأن الدول العربية تعودت على إصدار البيانات المنددة والرافضة لما تتعرض له هذه الدول العربية أو تلك من اعتداءات خارجية، القرار العربي الذي وضع قيد التنفيذ، هو تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية ومختلف المنظمات العربية، وهو القرار الذي أسهم في تكالب القوى الخارجية على سوريا، ومنها تركيا، التي لم يتوقف تدخلها في سوريا واعتداءاتها المتكررة على أراضيها منذ اندلاع الأحداث في هذه الدولة العربية عام 2011 إذ تحولت تركيا إلى ممر لتدفق الجماعات الإرهابية الموجودة فوق الأراضي السورية.

   البيان الوزاري العربي من حيث المضمون هو بيان جيد جدا وعبَّر بوضوح تام عن الإجماع العربي تجاه العدوان التركي، فهذا البيان احتوى موقفا جيدا بحاجة إلى ترجمة عملية وهو المتعلق بالمقاطعة العربية لتركيا في حال عدم توقف عدوانها وانسحابها من الأراضي السورية التي احتلتها، إذ قرر مجلس جامعة الدول العربية النظر في «اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة العدوان التركي على سوريا بما في ذلك خفض العلاقات الدبلوماسية ووقف التعاون العسكري ومراجعة مستوى العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياحية مع تركيا».

   هذا القرار بحاجة ماسة إلى ترجمته على أرض الواقع، فالدول العربية التي أعلنت صراحة رفضها العدوان التركي وأيدت بوضوح لا لبس فيه إصدار مثل هذا القرار، مطالبة بالتحرك جماعيا لتطبيقه على أرض الواقع كي تدرك أنقرة أن العربدة العسكرية والسياسية فوق الأراضي السورية لم تعد تطاق، خاصة وأن هذه العربدة تهدد الأمن الوطني السوري والقومي العربي، فالدول العربية لن تخسر شيئا إذا ما قلصت علاقاتها مع تركيا، السياسية منها والاقتصادية والسياحية أيضا، بل أنقرة هي الخاسر الأكبر من جراء إقدام الدول العربية على تطبيق مثل هذا القرار.

   فالعدوان التركي على سوريا خاسر سياسيا، والدليل على ذلك الرفض الواسع للتصرف التركي ليس من جانب الدول العربية فقط، وإنما من جميع دول العالم، بما في ذلك الدول الحليفة عسكريا لأنقرة وفي مقدمتها دول حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة الأمريكية، فأنقرة تواجه صدا دوليا وإقليميا بسبب تصرفاتها العدوانية، ناهيك عن تعثرها في إنجاز أي تقدم نحو تحقيق حلمها الأوروبي إذ تتسع دائرة الرفض الأوربي لهذه المساعي التركية، خاصة بعد اعتداءاتها الأخيرة على سيادة الجمهورية القبرصية وعدم تقيدها بالقانون الدولي الذي يدعو إلى احترام سيادة الدول.

    الدول العربية مطالبة بالتحرك العاجل لإجبار تركيا على احترام سيادة الجمهورية العربية السورية وعدم العبث في تركيبتها الديمغرافية، ذلك أن أهداف هذا العدوان ليست ما تدعيه تركيا إبعاد مقاتلي الفصائل الكردية السورية المسلحة عن حدودها الجنوبية مع الشمال السوري، فهذه مجرد شماعة تستخدمها أنقرة لتبرير عدوانها، فهناك خشية حقيقة من أن تحول تركيا احتلالها لمناطق واسعة من الشمال السوري إلى أمر واقع كما هو الحال مثلا مع احتلالها ما نسبته 35 بالمائة من شمال جزيرة قبرص منذ غزوها لهذه الجزر عام 1974 بحجة حماية القبارصة الأتراك.

    إذا لم تتحرك الدول العربية وتترجم قرارات الجامعة العربية الأخيرة بشأن الغزو التركي لشمال سوريا، إلى إجراءات عملية ملموسة، فإن تركيا ستشرع فورا في تخريب التركية الديمغرافية في الشمال السوري، وهي قد شرعت في بعض المناطق التي احتلتها خلال اعتداءاتها السابقة تحت عناوين «غصن الزيتون» و«درع الفرات» إذ فرضت تركيا عملتها كعملة رسمية للتداول داخل هذه المناطق، وبدأت تدريس اللغة التركية، بل وتخطط بعض جامعاتها لفتح كليات للدراسة خارج إرادة وموافقة الحكومة السورية، بما يؤكد وجود نوايا عدوانية تركية خطيرة تستدعي تحركا عربيا جادا.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news