العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

مقالات

مـن يـؤسس تـطـور القـاعدة القانونية؟

بقلم: د. علي الصديقي {

الأحد ١٣ أكتوبر ٢٠١٩ - 01:00

القاعدة القانونية هي قاعدة اجتماعية تنظم السلوك الإنساني في المجتمع، وعلى نحو ملزم بحيث تُوجب إنزال العقاب على من يخالفها. والقاعدة في عصرنا الحديث غالباً ما يكون مصدرها المشرع، أي السلطة التشريعية التي تتولى سن القوانين في المجتمع، وتلك القوانين عادةً ما تكون مُتأثرة بالأحوال والأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مجتمع ما، فيسلك القانون منهج هذه الاتجاهات أو تلك تبعاً لفكر المشرع وعقله والأيديولوجيات التي يتبناها.

هذا ما استقر عليه علم القانون الحديث، وبالتالي فإن القانون النافذ في حقيقة أمره نتيجة منطقة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية في دولة ما، وترجمة لأطروحاتها.

وتتطور القاعدة القانونية تبعاً لذلك، فإن تطورها دائماً ما يُقترن بالأفكار والسياسات التي تستجد في مجتمع ما، ولا يمكن لأي قانون - على الإطلاق - أن ينال حظاً من الاستقرار على الدوام، فخذ مثالاً في القانون المدني الفرنسي (قانون نابليون) الذي صدر قبل مائتي عام، ظل الفرنسيون حريصين على اعتباره تحفة خالدة لا ينالها التغيير، هربوا كثيراً من تعديله حتى خرجت من رحمه قوانين أخرى كقانون العمل والقانون التجاري وقوانين حماية المستهلك استجابة لمقتضيات التحديث، ورغم ذلك حاولوا الإبقاء على قانون نابليون عصياً على التعديل، لكنهم في نهاية الأمر رضخوا لسنة التغيير، وجرت إصلاحات جوهرية في القانون المدني الفرنسي عام 2016م استجابة لظروف التطور الاقتصادي، بل ان حزمة أخرى من الإصلاحات قادمة في الطريق.

في عصرنا الحاضر، لا يختلف اثنان على أننا نواجه تسارعاً كبيراً في طبيعة الأحداث السياسية والعلاقات الاجتماعية والتطورات الاقتصادية والتقنية، حتى أصبحت القاعدة القانونية تجري دائماً وراء ما يُستجد في المجتمع، فصار القانون لا يسع تعديله حتى يظهر الجديد على الساحة، وهكذا دواليك.

بل زد على ذلك أن مهمة وضع القوانين وصياغتها، لم تعد حكراً مطلقاً على رجال القانون، الذين يدركون الأسس العامة في القانون، لكنهم يقفون حائرين أمام بعض المختصين في شتى التخصصات والعلوم الفنية الدقيقة، فلم يعد رجل القانون صاحب الكلمة العليا في وضع القاعدة القانونية، ولم يعد دوره رئيسياً بل انتقل إلى مرحلة أدني فأصبح دوره مساعداً يضع الصياغات القانونية في نصابها ويتحقق من اخفاقاتها النصية، من دون أن يكون له مساهمة جوهرية في وضع المحتوى الموضوعي ما لم يكن على قدر من المعرفة بالتفاصيل الفنية أو المهنية للقانون.

انقلبت الأمور رأسا على عقب، بسبب تشعب القوانين وتفرعها واعتماد مبدأ التخصص في العلوم القانونية والقضائية، فرجل القانون اليوم لا يستطيع أن يتطور أو أن يطور علومه وفكره القانوني، ما لم يكن ذا تخصص رديف يسير معه، فلا يمكن لرجل القانون أن يسهم في تطوير القانون ما لم يعمل على توسيع خزينته المعرفية من تخصصات مختلفة. وفي هذا الصدد استحضر عبارة قالها الكاتب والفقيه القانوني الفرنسي (دو لوبغاديل) قائلاً: «ليس بالفلاسفة ولا نظرياتهم، ولا برجال القانون مع نصوصهم القانونية سيتطور القانون، ولكن الفنيين والمهندسين باختراعاتهم هم الذين يضعون القواعد القانونية ويؤسسون لتطور القانون». هل يصح كلام (لوبغاديل) أم يخطئ؟ الأهم أنه ليس بإمكاننا إنكار الدور الرئيسي والجوهري للمهنيين، والذي لا يمكن تجاوزه في صناعة القانون والتأسيس لتطور القاعدة القانونية.

‭{‬ خبير قانوني

ali_faisal@live.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news