العدد : ١٥٢١٧ - الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٧ - الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

ماذا نحتاج لتحقيق منظومة ريادة أعمال ناجحة؟ (1)

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ١٣ أكتوبر ٢٠١٩ - 01:00

سواء كان توجه الحكومات برغبتها في تحقيق منظومة ريادة الأعمال والعمل الحر أو كانت مجبرة عليه بسبب الأزمات الاقتصادية والتوجه العالمي فإن العمل الحر وفكرة ريادة الأعمال أصبح اليوم هو الخيار الأمثل للخريجين والعاطلين عن العمل في بقاع الكرة الأرضية، ومن جانب آخر فإن هذا التوجه يحقق الكثير من رغبات الحكومات لأنه يخفف كثيرًا من الأعباء المالية والاجتماعية الواقع عليها وبالتالي فإنها بتبنيها لهذا التوجه من المفروض أن يخرجها من الدولة الرعوية إلى الدولة التشاركية، وهذا الموضوع تحدثنا فيه الأسبوع الماضي. 

ولكن مناقشة أسباب التوجه لتبني منظومة رعاية الأعمال والعمل الحر نجد أنه من قبيل التفكير التنظيري التقهقري، إذ إنه لا يفيد أحدا اليوم، لذلك فهو ليس مهمًّا اليوم بقدر الإجابة عن السؤال الأهم وهو: ما الذي يمكن فعله لتحقيق النجاح لهذا التوجه؟ ما الذي يمكن أن نفعله لكل هؤلاء الخريجين والعاطلين عن العمل حتى ينخرطوا في حقل العمل الحر؟ وهل سوق العمل الحر يمكنه أن يستقبل كل هؤلاء الشباب من الجنسين؟

نعتقد أننا نحتاج للنهوض الشامل والاستفادة المتكاملة لمنظومة ريادة الأعمال وأن تتوزع الأدوار والمهام والمسؤوليات بين عدة جهات بهدف ألا يقع العبء الثقيل على جهة واحدة، فتعجز تلك الجهة -بعد فترة من الزمن- عن القيام بالعمل والمسؤوليات فيفشل مشروع النهوض بريادة الأعمال. من أجل ذلك فإن توزيع المهام والأعمال بحيث تصبح كل تلك الجهات وكأنها فريق عمل متكامل، وكلٌّ يعرف دوره ومسؤولياته ومهامه فإن ذلك حتمًا سيؤدي إلى نجاح المشروع المتكامل، وهذا بدوره سيؤدي إلى التخلص من أعباء العاطلين عن العمل وتزايد أعداد الخريجين الذين لا يجدون الأعمال وبالتالي يشكلون عبأ اجتماعيًا وسياسيا على البلاد، وبالتالي تتحقق فكرة المجتمع المستدام.

ويمكن أن نحدد الأطراف ذات العلاقة في تحقيق نجاح مشروع العمل الحر وريادة الأعمال في الأطراف الآتية:

‭{‬ الحكومة والقطاع العام،

‭{‬ القطاع الخاص والمؤسسات الخاصة، 

‭{‬ القطاع الأهلي (الجمعيات والأندية)،

‭{‬ المجتمع،

‭{‬ الفرد نفسه.

نحاول أن نتعرف على مسؤوليات وأدوار كل طرف من هذه الأطراف حتى تتضح لدينا الرؤيا، ونعرف ما الواجبات الملقاة علينا جميعًا.

أولاً: دور الحكومة والقطاع العام

حتى وإن كانت السلطة التنفيذية تحاول أن تتخلص من الأعباء الواقعة على كاهلها إلا أنها تبقى هي الجهة التي تمتلك الكثير من المفاتيح التي تؤهلها لتؤدي الدور الأساسي في نجاح منظومة ريادة الأعمال في البلاد، لذلك فإننا يمكن تلخيص دور الحكومة والقطاع العام في الأمور التالية:

وضع رعاية الأعمال ضمن الخطط والاستراتيجيات المستقبلية للدولة؛ تبنت معظم الدول خططا واستراتيجيات طويلة المدى، بعض الدول تمتد خطتها إلى 2025، وبعضها 2030، وبعضها الآخر 2035، وأيًا ما كانت خطة الدولة وعمق مساحتها الزمنية والموضوعات التي شملتها وتشملها، إلا أنه من المهم أن تكون ريادة الأعمال وتبني الأعمال الحرة جزءا أصيلا من تلك الخطط، فلا توضع بصورة هامشية إن تحققت لا بأس بذلك وإن لم تتحقق فلا ضير يقع على الدولة، فوجود منظومة ريادة الأعمال بكل ما تشملها من أبعاد في خطط الدولة القصيرة والطويلة المدى يساهم كثيرًا في أن تتبنى كل الفئات والأطراف الأخرى هذه المنظومة، ومن جانب آخر فإن ذلك يساهم في وضع كل البرامج الأخرى وفقًا لنجاح هذه المنظومة كالمناهج والإعلام وما إلى ذلك، والتي سوف نتحدث عنها في النقاط التالية، ولكن إن لم تتبن الدولة هذه المنظومة وتلحفها بخططها واستراتيجيتها فلا أحد ولا برامج يمكن أن تقام من أجل هذه الفئة الراغبة في إقامة المشاريع الخاصة من أجل تطوير أنفسهم من جهة وتوفير فرص العمل لفئات أخرى من الشباب من جهة أخرى. 

تغير المناهج وفتح مساقات تعليمية تخدم منظومة ريادة الأعمال: وجدنا أن الكثير من الدول وبعض المنظمات الدولية الخاصة بالتعليم تبنت فكرة إنشاء مساقات تعليمية بمسمى (التلمذة المهنية) وخاصة في المرحلة الثانوية، وهذا شيء جيد لا غبار عليه، ولكن نعتقد أن تحديد مساق واحد يمنع الكثير من الطلبة من الاستفادة من كل تلك المعرفة التي يمكن أن يستفيدوا منها حول هذا الموضوع، ولكن ماذا يمكن أن يحدث لو أضفنا مقررا واحدا لكل صف دراسي يتحدث هذا المقرر عن أحد جزئيات ريادة الأعمال، تمتد هذه المواد أو المقررات من الصفوف الدنيا حتى المرحلة الثانوية، وربما حتى المرحلة الجامعية، حيث يتناول كل مقرر موضوعا واحدا أو عدة موضوعات مترابطة -مثل دراسة جدوى مشروع، أو دراسة سوق العمل لمشروع معين، أو عمل فكرة مشروع من البداية حتى النهاية.. الخ- كل هذه الموضوعات تساهم بطريقة أو بأخرى في وضع منهجية ريادة أعمال متكاملة بحيث عندما يتخرج الطالب يمكنه أن يفهم سوق العمل وكيف يمكنه أن ينجح إن توجه لريادة الأعمال.

تدريب العاطلين عن العمل والراغبين في الانخراط في سوق العمل: وهناك جانب آخر في الموضوع، إذ تقوم -في بعض الدول- وزارات أخرى كالوزارات المتعلقة أو المعنية بتوظيف الشباب من الجنسين والعاطلين عن العمل في الأعمال الخاصة أو التي تصلح لهم، هذه الوزارات أخذت على عاتقها أن تقوم بتدريب العاطلين عن العمل والراغبين في الانخراط في سوق العمل والعمل الحر على الأعمال المتوافرة في سوق العمل (وهذا يعني توظيف) أو إيجاد فرص لهم أو تشجيعهم لتمكينهم من مشاريعهم الخاصة كالأسر المنتجة أو غيرها من المشاريع التي يمكن أن يستثمروا فيها أوقاتهم وجهدهم وحياتهم من أجل كسب العيش (وهذه ريادة الأعمال)، وهذا التوجه يتنافى مع الدولة التشاركية، لذلك عندما وجدت الدولة أنها عاجزة عن إتمام هذه المهمة قامت بإلغاء مشروع التدريب نهائيًا، وهذا خطأ، إذ نجد أنه كان ينبغي على الوزارة المعنية أن تضع المنهج والخطط المناسبة للتدريب وتحولها إلى القطاع الخاص والمؤسسات الكبيرة لتتكفل به وتصرف عليه بدلاً من إنفاق الأموال على بعض المشاريع غير المفيدة، على أن يتم مراقبة العمل ودراسة مخرجات التدريب من قبل الوزارة المعنية.

تسهيل استيراد المواد الخام: كثيرًا ما يواجه العاملون في الأعمال الحرة وريادة الأعمال العديد من المعرقلات، ومن تلك المعرقلات عمليات استيراد المواد الخام من الدول، حيث يجد رائد الأعمال أنه مطالب بأن يدفع الكثير من المبالغ نظير استيراد المواد الخام، سواء كانت أسعار المادة نفسها التي تتزايد بصورة دورية أو أسعار وسائل النقل والشحن أو حتى أسعار الضرائب التي تفرضها الدول على المواد الخام، وهنا السؤال: ألا يمكن إيجاد وسيلة للتخفيف من كل هذه الأعباء الواقعة على كاهل رائد الأعمال حتى يمكنه الاستمرار في عمله من غير أن يدفع كل هذه التكاليف؟ أو على أقل تقدير التخفيف من أسعار الشحن أو الضرائب من أجل التخفيف عليه فحسب؟ 

تسهيل تصدير المنتجات الناتجة عن منظومة ريادة الأعمال: وكذلك يواجه رواد الأعمال مشكلة تصدير المواد المنتجة، فهو -أي رائد العمل- ينتج بعض المنتجات -أيًا ما كانت- إلا أنه لا يستطيع أن يقوم بتصديرها حتى إلى دول الجوار، وذلك لعدة أسباب، منها: أن المنتج غير مطابق للمواصفات وذلك لأنه لا يعرف المواصفات ولم تقم الجهة المعنية بالمواصفات بإرشاد رائد الأعمال بأهمية العمل ضمن حدود المواصفات، وحتى إن أراد رائد العمل من تلقاء نفسه قراءة المواصفات وتثقيف نفسه يجد نفسه أنه مطلوب منه أن يدفع مبلغا من المال نظير شراء المواصفة المعنية، فهل هذا يسمى تشجيعا؟ وإن تجاوز كل ذلك يجد أنه مطلوب منه أن يدفع مبلغا من المال نظير الضرائب العالية جدًا سواء لصالح دولته أو للدولة المستوردة، لذلك يجد رائد العمل أنه من الأفضل أن يقوم بتصريف المنتج في الأسواق المحلية التي عادة ما تكون متخمة بمثل هذا المنتج، أو أن يستسلم ويلغي عمله ويكفر بفكرة ريادة الأعمال. 

إلغاء أو التخفيف من الضرائب على الأقل في السنوات الخمس الأولى: ربما لا ندعو إلى إلغاء الضرائب بصورة دائمة، فإن الدول لن ترضى بذلك، ولكن على الأقل إلغاؤها أو حتى التخفيف منها وخاصة في السنوات الخمس الأولى والتي تُعد مرحلة التأسيس والإنشاء والتكوين، فرائد الأعمال مطلوب منه أن يدفع للبلديات والكهرباء والماء والإيجار والعمال والموظفين والمواد الخام وأمور كثيرة جدًا ربما لا يتخيلها المرء في البداية، ولكنه يتفاجأ بها عندما يبدأ مشروعه، لذلك فرائد الأعمال يحتاج إلى من يقف معه وخاصة في هذه المرحلة، وهذا أقل ما يمكن أن تقدم له السلطة التنفيذية بهدف إنشاء مشروع ريادة الأعمال وازدهار منظومة العمل الحر، ويجب ألا يعامل رائد الأعمال المبتدئ مثل صاحب العمل المليونير أو الذي قضى سنوات طويلة في السوق، فهذا مبتدئ يتلمس طريقه بعكس الآخر الذي استطاع أن يثبت أقدامه في سوق العمل.

منح المساعدات المالية أو القروض الميسرة: بالإضافة إلى إلغاء الضرائب أو التخفيف منها خلال مساحة زمنية مؤقتة، فإنه يمكن أن تقوم السلطة التنفيذية لوحدها أو بالتعاون مع بعض المصارف والبنوك بمنح القروض الميسرة جدًا لرواد الأعمال، وإن كان من الأجدى أن تمنح بعض المساعدات المالية أو حتى العينية، كشراء بعض الأجهزة المكتبية أو دفع رواتب بعض العمالة والموظفين وما إلى ذلك. وأما عندما نتحدث عن القروض فإنها يجب أن تكون ميسرة وقليلة الفائدة جدًا بحيث لا يثقل كاهل رائد العمل بالفوائد، فهو عندئذ لا يستطيع أن يعيد القروض ولا حتى فوائدها، فتثقل عليه الأمور حتى يعلن إفلاسه.

إنشاء حاضنات لرواد الأعمال: حاضنات الأعمال هي عبارة عن دعم لأعمال حرة ورواد الأعمال عن طريق تزويدها بمجموعة من موارد الدعم والخدمات المصممة والتي تتم إدارتها من قبل إدارة الحاضنة والتي إما أن تقوم الحاضنة بتزويدها للشركات الناشئة بشكل مباشر أو عن طريق شبكة من علاقاتها. وتختلف حاضنات الأعمال عن بعضها بالطريقة التي تقوم بها بتزويد الشركات الناشئة بالخدمات، وهيكلها التنظيمي، وبنوعية العملاء الذين يخدمونهم. ومن أهم الخدمات التي تقدمها حاضنات الأعمال لرواد الأعمال: المساعدة بمبادئ الأعمال، نشاطات التواصل وبناء العلاقات في السوق،المساعدة بالتسويق،المساعدة بالحسابات والإدارة المالية، تسهيل عمليات الاقتراض من البنوك، التواصل مع حلفاء استراتيجيين بالسوق، التواصل مع المستثمرين ومستثمري رأس المال المخاطر، برامج تدريبية شاملة عن الأعمال، توفير طاقم استشاري وطاقم رقابي، تحديد طاقم الإدارة للمشروع، التعريف بأخلاقيات العمل، كيفية تحصيل الأموال من التكنولوجيا، المساعدة على الامتثال للقوانين، وإدارة الملكية الفكرية، وما إلى ذلك.

عمل حوافز ومسابقات لريادة الأعمال وإعلام: التحفيز قضية مهمة في منظومة ريادة الأعمال، فبالتحفيز يمكن تشجيع الشباب للتوجه إلى سوق العمل وتقليل عدد العاطلين عن العمل، والتخفيف من حدة الأعباء التي تثقل كاهل الحكومة، سواء الأعباء الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية، ولكن من الضروري أن تبنى عملية التحفيز وفق منهجية صحيحة ومتنوعة، وألا نكتفي بطريقة وأسلوب واحد، إذ إنه بعد فترة من الزمن تصبح كالأسطوانة المشروخة التي تكرر نفسها، فنحن نحتاج إلى العديد من المسابقات كتكريم أفضل رائد عمل، وأفضل مشروع، وأفضل ناتج، وأما الجوائز يمكن أن تكون التخفيف من الأعباء المالية أو مبلغا من المال من أجل الاستثمار في المشروع أو التخفيف من الضرائب وما شابه ذلك، وربما هنا يأتي دور الإعلام المرئي والمسموع والمطبوع وكذلك كافة وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة في تشجيع الشباب من الجنسين للتوجه للعمل الحر وإبراز مزايا هذا الجانب من العمل وعدم الاكتفاء بالوظيفة وما إلى ذلك، هذا التشجيع وهذه الحوافز يجب أن تكون دائمة ومنوعة ومستمرة وعدم الاكتفاء ببثها خلال فترات قصيرة ومن ثم إهمالها فترة من الزمن وبثها فقط عند الحاجة، ولكن نعتقد أنه يجب أن تكون دائمة ومستمرة.

هذه بعض الأمور التي يمكن أن يساهم فيها القطاع الحكومي والجهة التنفيذية، ودعونا من خلال بقية المقالات القادمة نتعرف على ما المطلوب من بقية القطاعات أن تقدمه.

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news