العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

أنا.. والكتاب.. والقلم!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٣ أكتوبر ٢٠١٩ - 01:00

ترددت طويلا حين جاءتني فكرة هذه المقالة، وشعرت بشيء من الحرج حين ظننت أنه قد يعتقد البعض أن هذه المقالة حديث عن النفس، وأنه ربما رأى في هذا تزكية للنفس، ونحن معاشر المسلمين منهيون عن تزكية أنفسنا، قال تعالى: «ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا تظلمون فتيلا» النساء/49.

إذن، فحديثي إليكم أرجو ألا يكون تزكية للنفس، بل حديث في السيرة الذاتية، فـ«أنا» التي جاءت في عنوان المقالة ترمز إلى الوجود من العدم الذي يمُّر به الإنسان، واقرؤوا إن شئتم قوله تعالى: «هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورا(1) إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرا(2) إنَّا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورا(3)» سورة الإنسان.

هذه الآيات الأولى من سورة الإنسان تسجل وجود الإنسان من العدم، ثم مروره بأدوار عديدة يصل من خلالها إلى مرتبة عالية بجهده وجهاده.

حديثي عن «الأنا» ليست نرجسية تنطلق من حب الذات، بل هي تقرير لما سبق أن قرره القرآن الكريم في أن هذا الإنسان الذي لم يكن شيئًا مذكورا صار بتوحيده لله تعالى، وبعمله الصالح يصل إلى مقام كريم حين يتسلم من يد ملك الملوك سبحانه وتعالى مفاتيح الجنان وخطاب الشكر والتقدير والعرفان، يقول تعالى بعد عرض ما قدمه هذا الإنسان إلى دينه ووطنه وأمته من أعمال جليلة يبتغي بها وجه الله تعالى، قال سبحانه: «إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا(5) عينًا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا(6) يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرا(7) ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرا(8) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا(9) إنَّا نخاف من ربنا يومًا عبوسًا قمطريرا(10)» سورة الإنسان.

هذه كانت أعماله الصالحات التي نال بها أعلى الدرجات، ولقد تم استقباله في حفاوة بالغة، وسيقال له وهو يتسلم من مولاه سبحانه مفاتيح الجنان وخطاب الشكر والتقدير والعرفان: «إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكورا» سورة الإنسان.

هذا عن «الأنا»، أما عن «الكتاب»، فإن الكتاب لدي يرمز إلى المعرفة الواسعة التي سوف يظل الكتاب من أهم مصادرها، من هنا ندرك السر والحكمة في أن الله تعالى خص الأمة الإسلامية بمعجزة تختلف عن باقي المعجزات التي أظهرها الله تعالى على أيدي الأنبياء من قبل نبي الإسلام صلى الله عليه سلم، والتي اختفت بموتهم (عليهم وعلى رسولنا الصلاة والسلام)، وذلك لأنها معجزات مادية مرتبطة بالزمان والمكان والرسول في حياته، وانتهت بموت هؤلاء الرسل الكرام، أما معجزته صلى الله عليه وسلم وهي القرآن الكريم فهي خالدة باقية، تحدى به الله تعالى الإنس والجن وحكم باستحالة أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله مفتريات، أو حتى بسورة واحدة، والقرآن هو المرجع الوحيد لأنباء هؤلاء الرسل مع أقوامهم، ولولا القرآن معجزة الإسلام لما علمت البشرية شيئًا من أنباء هؤلاء الرسل وما جرى لهم مع أقوامهم، وهو معجزة مهيمنة ومصدقة، ولهذا حفظه الله تعالى لنا، وحصنه عن أي تحريف أو تزوير، قال سبحانه: «.. وإنه لكتاب عزيز(41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42)» فصلت.

والقرآن الكريم كما أنه دعوة إلى العلم والبحث العلمي، فإنه كذلك هو دعوة إلى الثقافة العامة، يقول سبحانه عن الأولى: «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (17) وإلى السماء كيف رفعت(18) وإلى الجبال كيف نصبت(19) وإلى الأرض كيف سطحت(20)» سورة الغاشية، أما عن دعوة القرآن الكريم إلى الثقافة العامة، فنجده في قوله تعالى: «اقرأ باسم ربك الذي خلق» سورة العلق/1)، حين نتأمل هذه الآية التي صَدَّر بها الله تعالى سورة العلق، وهي أول سورة نزلت من الوحي على قلب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سوف نجد أن الله تعالى ذكر الفعل (اقرأ) وذكر الفاعل (ضمير مستتر تقديره هو) والخطاب إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ابتداءً، ثم إلى البشرية من بعده، ولكن الحق سبحانه وتعالى لم يذكر المفعول به وهو المادة المقروءة، فلم يقل مثلا اقرأ القرآن، أو اقرأ أحاديث رسول الله، أو اقرأ التاريخ، ونحن نعلم أهمية التاريخ بالنسبة للدعوة الإسلامية، بل لكل الدعوات.

إذن، فغياب المفعول به في أولى آيات سورة العلق هو إشارة واضحة الدلالة على الدعوة الملحة إلى تحصيل الثقافة والاحتفاء بها إذ المهم ليس تحديد المادة المقروءة، بل الغاية التي يسعى إليها طالب العلم.

إذن، فأبواب الثقافة والتحصيل العلمي مشرعة، بل وحتى نوافذ المعرفة لا تغلق، المهم هو بلوغ الغاية وهي أن يكون كل ذلك «باسم ربك»، فأنت تستطيع أن تقرأ في الماركسية باسم ربك، وتقرأ في العَلْمانية باسم ربك، وتقرأ حتى في الإلحاد باسم ربك، وتوظف كل تلك المعارف في خدمة الهدف الأسمى، والغاية العظمى، وهي خدمة عقيدة التوحيد، والتأكيد على ما دعا إليه الإسلام من مبادئ سامية، وأخلاق تامة، والعمل على إشاعة ما بُعِث الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) من أجله حين قال: [إنما بُعِثت لأتمم مكارم الأخلاق] المحدث: الزرقاني. المصدر: مختصر المقاصد. الحديث: صحيح.

والثقافة الإسلامية التي يمثلها القرآن الكريم في أعلى مراتبها ويحض عليها هي ثقافة ذات امتداد في الزمان والمكان، فهي من حيث الزمان تمتد تاريخيا من آدم عليه السلام إلى محمد (صلى الله عليه وسلم)، ومن حيث المكان من اللوح المحفوظ في السماء إلى قلب محمد (صلى الله عليه وسلم) عن الأولى قال الله تعالى: «وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين» البقرة/31، إلى قوله تعالى: «.. وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما» النساء/113.

وأما عن الثانية قال الله تعالى: « نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين» يوسف/3.

أما عن القلم وهو المفردة الثالثة من مفردات العنوان، فإن لي مع القلم علاقة حميمية لأنه الأداة المعبرة عما يجيش في نفسي من المشاعر والأحاسيس، وهو الأداة التي بها يقيد العلم وبها يطلق ليجول في الآفاق ليعبر عما يراه صاحبه وما يسمعه وما يحسه، وله معي تاريخ حيث كنت أستخدم القلم ذا الحبر السائل، وكم مرة سقط الغطاء عنه، فلوث ثوبي ووجدت الوالدة (رحمها الله تعالى) صعوبة في إزالته.

القلم السائل هو رفيقي في دربي في المدرسة، وفي العمل، وفي خارج العمل، أما رائحته فهي تفوق رائحة أغلى العطور التي يتسابق على شرائها الرجال والنساء.. إنها رائحة العلم والثقافة، فإذا قيل لك هل للثقافة والعلم رائحة؟ قل لهم: نعم، أجده في رائحة الحبر، بل إن نقطة الحبر تكشف ما غمض من الأقوال والمواقف، واذكروا المقولة المشهورة التي طالما تداولها السياسيون حين يقولون عن أحد الساسة: لقد وضع النقاط على الحروف!!

ولدي العديد من الأقلام السائلة أقوم بإعدادها قبل أن أبدأ الكتابة أملأها بالحبر وأضعها أمامي، وأبدأ بالكتابة، فإذا فرغ القلم تناولت القلم الثاني خشية ان يشغلني إعادة ملأ القلم بالحبر عن الاسترسال في الكتابة.

وللقلم مقام كريم، فقد مدحه الله تعالى كأداة، ومدح الوظيفة التي يقوم بها وهي التسطير قال سبحانه: «ن والقلم وما يسطرون(1) ما أنت بنعمة ربك بمجنون(2) وإن لك لأجرًا غير ممنون(3) وإنك لعلى خلق عظيم(4)» سورة القلم.

وكما عَظَّم الحق سبحانه وتعالى القلم كأداة للكتابة، وتقييد العلم وإطلاقه، عظم وظيفته، وهي التسطير، وحماه بمكارم الأخلاق ليكون في حصن منيع يحميه من الزيغ والضلال.

وفي سورة العلق يحدثنا القرآن الكريم عن المهمة الجليلة التي يقوم بها القلم في التعليم والتعلم، فقال سبحانه: «اقرأ وربك الأكرم(3) الذي علم بالقلم(4) علم الإنسان ما لم يعلم(5)» سورة العلق.

إذن، فحياتي كإنسان مرتبطة بوسائل المعرفة وهي: الكتاب والقلم، ورحم الله تعالى أستاذنا عباس محمود العَقَّاد الذي أفرد كتابًا للقلم سماه: «حياة قلم» لأن القلم عند أستاذنا العَقَّاد له حياة تمور بالمعارف والمشاعر والأحاسيس، كما ألف كتابًا آخر جعل له عنوانًا هو: «أنا»، وهو سلسلة من المقالات نشرها في مجلة الهلال (المصرية) جمعها في هذا الكتاب بناء على اقتراح من الأستاذ طاهر الطناحي لاتصال موضوعاتها بحياة الأستاذ العَقَّاد (رحمه الله تعالى).

هذه هي سيرتي مع الكتاب والقلم والثقافة والتقلب في آفاقهما، والاغتراف من معينهما.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news