العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الثقافي

قصة قصيرة: «العطر»

بقلم: حسين السكاف *

السبت ١٢ أكتوبر ٢٠١٩ - 11:19

أصبح بحثي عن صاحب العطر الساحر، ورغبتي في العثور عليه يزعجني، أو يقلقني، فقد طالت مدة بحثي عنه رغم تأكدي من وجوده في إحدى شقق البناية التي أسكنها، فعطره الساحر يملأ المصعد الكهربائي كل صباح، وأحيانًا في المساء أيضًا.

صحيح أن البناية تحتوي على خمسة عشرَ طابقًا، وكل طابق يحتوي على شقتين واسعتين، وإنني أسكن في الطابق الحادي عشر، وهذا العدد الكبير من الشقق، قد يكون السبب وراء عدم عثوري على صاحب العطر الساحر حتى الآن.

الغريب أن تعلقي بصاحب العطر وسحره، دفعني إلى أن أسأل البعض من سكان البناية إن كانوا قد تنبهوا إلى وجود العطر برائحته الساحرة، فكان النفي سيد كل الإجابات، حتى ظننت بأن أغلب سكان البناية قد فقدوا حاسة الشم، لكوني متأكدة من وجود العطر وهو يملأ بسحره فضاء المصعد.

بعد مرور قرابة العام على بحثي عن صاحب العطر الساحر، وفي إحدى الصباحات المشرقة، دخلت المصعد أروم النزول حيث الطابق الأرضي متوجهة إلى عملي، حينها لم تصلني الرائحة الساحرة، شعرت ببعض الغرابة، فمنذ سنة تقريبًا وأنا أشم العطر الساحر كل صباح، لماذا اختفى في صباحي هذا؟

ضغطتُ الزر الخاص بالطابق الأرضي وتحرك المصعد نحو الأسفل، تمامًا كما تحركت العديد من الأفكار في مخيلتي وهي تسأل عن سر اختفاء العطر... وبعد عدة ثوان، بدأ العطر يصلني خفيفًا وكأنه بدأ للتو يتسرب إلى داخل المصعد. شعرت بفرح غامر، طالبة المزيد من العطر الذي أدمنت عليه، وبالفعل بدأت الرائحة تزداد شيئًا فشيئًا حتى توقف المصعد عند الطابق السادس، وكعادتي، استدرت نحو جهة اليمين كي لا أكون وجهًا لوجه مع الشخص الذي سيشاركني المصعد، ولكني عادة ما أحتفظ بزاوية تمكنني من رؤية القادم، وحين فُتِحَ باب المصعد، تدفق العطر بشكل كبير ورائع، لدرجة أنني سحبت شهيقًا عميقًا وكأنني أريد الاحتفاظ بالعطر داخل روحي، فعلت هذا وأنا أنظر خلسة لمن يروم استخدام المصعد، شاهدت رجلاً وسيمًا، طويلاً بعض الشيء ويرتدي قبعة أمريكية سوداء.

استدرت نحو الجدار وأنا في اضطراب واضح، حتى صار ظهري قبالته تمامًا... كم كنت أتمنى لو استدرت ناحية اليسار قبل أن يدخل صاحب العطر المصعد، لكنت تمكنت حينها من استغلال المرآة لأرى الرجل بوضوح. 

صار العطر يملأ المكان وشعرت بانتشاء لذيذ، لدرجة شعرت فيها بأن العطر صار يُسكرني. حبست أنفاسي وكأنني أريد الاحتفاظ بالعطر لأطول مدة ممكنة، حينها سمعت شهيقًا عميقًا يصدر من الرجل، ثم شعرت بجسده يلتصق بي من الخلف، ويبدو أنه قد انحنى قليلاً لتكون شفتيه قريبة من أذني اليسرى، حينها همس في أذني كلمات شعرت بدفء أنفاسه من خلالها:

«وأخيرًا عثرت على صاحبة العطر الساحرة... عام كامل وأنا أبحث عنكِ أيتها الساحرة...» أذهلتني كلماته، وكأنه يتحدث عني، فأنا من كانت تبحث عنه على مدى عام كامل.

التصق بي أكثر، وكانت رغبتي عارمة بأن أبتعد عنه قليلاً، لكن جسدي أبى أن يتحرك، ولم أستفق إلا على صوت باب المصعد وهو يُفتح.

خرج الرجل الوسيم من المصعد أولاً، ووقف ماسكًا باب المصعد، وهو يشير لي بحركة مسرحية محني القامة قليلاً دلالة على الاحترام، بأن أتفضل بالخروج... وقفتُ مذهولة دون حراك وأنا أنظر إليه، وحين طال انتظاره لي، رفع رأسه لينتصب بقامته الرشيقة، وهو ينظر لي نظرة لا تخلُ من الابتسامة والفرح، أراد أن يقول شيئًا ولكنني سبقته بسؤالي: «هل قلت بأنني صاحبة العطر الساحر التي تبحث عنها لعام كامل؟» زادت ابتسامة الرجل جمالاً، وأجاب بهزة من رأسه علامة على الإيجاب، فقلت وقد زاد الاستغراب من حيرتي المنعشة:

«ولكني لم أعتد استخدام العطر إلا نادرًا!» سحرتني ابتسامته، فبقيت صامتة لثوانٍ ثم قلت:

«ولكني أنا من كانت تبحث عنكَ، أنا من سحرها عطركَ، وبقيت أبحث عنكَ طيلة عام كامل، فما هو نوع العطر الذي تستخدمه؟»

ضحك الرجل ووصلتني حرارة أنفاسه، وقال:

«أنا مثلك تمامًا، لا أستخدم العطور».

«يا إلهي كم أنتَ ساحر!» قلتُ ذلك وأنا أشعر بدوار جميل جراء تدفق رائحة العطر التي ازدادت بشكل كثيف منذ أن خلع الرجل الوسيم قبعته من على رأسه ليحييني بطريقته المسرحية الجميلة.

اقتربتُ منه دون وعي مني، حتى التصق صدري بصدره، وضعتُ وجهي لصق رقبته وهمست: 

«منذ اللحظة، انتهت عملية البحث، لن أضيعكَ أبدًا» أطلق الرجل ضحكة عميقة خافتة الصوت، ثم قال:

«كنتُ أعرف، أن عطر وحدتي، سيغادرني يومًا ما...»

* ناقد وروائي عراقي

halsagaaf@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news