العدد : ١٥٢١٩ - السبت ٢٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٩ - السبت ٢٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

تقييم مشاريع التحالفات العسكرية للأمن البحري في الخليج

بقلم: د.عمر الحسن

السبت ١٢ أكتوبر ٢٠١٩ - 01:00

تنوعت صور ومصادر التهديدات والأعمال الإرهابية الإيرانية في الخليج، ما بين إسقاط الطائرات من دون طيار، واستهداف ناقلات النفط ومصادرتها، وإعاقة الملاحة البحرية، ومواصلة تطوير الصواريخ النووية، ودعم التنظيمات الإرهابية، وضرب المنشآت النفطية وآخرها آرامكو السعودية. ولا شك أنّ هذه التطورات المتلاحقة، قد فرضت تغييرات مهمة على المشهد الأمني والإستراتيجي في هذه المنطقة الحيوية من العالم، بحيث تبدو هذه الدول في حاجة ماسة إلى التعاطي بحكمة مع الطروحات المتعددة بشأن مشاريع التحالفات العسكرية والتنسيق الأمني، بغرض تعظيم الاستفادة منها لحماية أمنها ومصالحها.

وتستخدم كلمة «حلف» في القانون الدولي للدلالة على علاقة تعاقدية بين دولتين أو أكثر تحقيقًا لمصلحة مشتركة، وفيها يدعم الحلفاء بعضهم بعضا في المجال الذي قامت من أجله هذه العلاقة، وإن كان المجال العسكري والأمني هو الأكثر شيوعًا. وقد تكون هذه التحالفات سرية أو علنية، ثنائية أو متعددة الأطراف، وقد تكون مؤقتة لمدة زمنية معينة؛ نتيجة لاشتراك في المصالح ذاتها أو العدو نفسه، أو ممتدة لفترة زمنية طويلة نتيجة لاستمرار الأسباب الموضوعية التي أنتجتها، أو وفق اتفاق مسبق بين الأطراف المتحالفة (كحلف شمال الأطلسي). 

ويفيد هذا النهج الدول من نواح عديدة؛ منها؛ أولا: تجميع الموارد وتقسيم الأعباء من أجل القضاء على التهديدات. ثانيا: أن ما كان تهديدًا لمنطقة معينة أصبح تهديدًا للعالم أجمع. ثالثًا: تبرز أهميتها للدول كونها تزيد قدراتها الدفاعية والأمنية بتكلفة أقل، كما أنها تسهم في إرساء وصيانة الاستقرار. 

ومنذ نهاية عام1990 شهدت المنطقة العربية عددًا من التحالفات العسكرية، أهمها (التحالف الدولي لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي)، والذي ضم نحو 35 دولة عربية وأجنبية، الذي غزاها يوم 2/8/1990، وذلك بقيادة الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، ثم (التحالف الدولي لاحتلال العراق) الذي قاده الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن  عام 2003 وكان «دونالد رامسفيلد»، وزير الدفاع الأمريكي يؤمن بفكرة أن اللجوء للتحالفات العسكرية يرجع إلى تغير الظروف والأهداف الاستراتيجية، ما جعله يقول أثناء الاستعداد لغزو العراق: «إن هذه الحرب ستحدد ملامح التحالف في المستقبل وأهميته». وقد وضعت نبوءته الأساس لإقامة التحالفات التي يتم الاستفادة منها الآن في مكافحة الإرهاب على الصعيد العالمي، إذ إن اندلاع أي صراع أو ظهور تهديدات مشتركة يتسبب في اتحاد الدول مع بعضها.

ومع اختلاف الظروف السياسية في المنطقة العربية والتهديدات الأمنية الطارئة، حدث تحول في أدوار القوى الرئيسية الفاعلة وتحالفاتها ومصالحها، ما هيّأ لظهور تحالفات دولية رافقت ما سُمي بـ«الربيع العربي»، ويمكن إجمالها في: التحالف الإيراني الروسي الذي يستهدف تعزيز المصالح الإيرانية والروسية. واستجابة للتحدي الذي فرضه تنظيم «داعش»، سعت مجموعة من الدول من داخل المنطقة وخارجها، على رأسها الولايات المتحدة وفرنسا إلى تكوين «التحالف الدولي لمحاربته»، والذي ضم نحو 73 دولة، وتم تدشينه عام 2013. 

وفي ظل التنافس بين القوى الدولية والإقليمية لتحقيق مصالحها، سعت الدول العربية إلى التنسيق فيما بينها سياسيًّا وعسكريًّا بقيادة المملكة العربية السعودية التي اتخذت العديد من المبادرات، أهمها تشكيل «التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن»، في مارس عام 2015 من خلال «عاصفة الحزم» ضد التمرد الحوثي المدعوم إيرانيًّا. كما قامت السعودية أيضا بتدشين «التحالف الإسلامي ضد الإرهاب» في ديسمبر عام 2015، وحظي بإعلان 41 دولة إسلامية انضمامها له، وذلك بهدف محاربة الإرهاب. وتمثل هذه التحالفات نموذجا للتحالفات غير الدائمة.

ومع تنامي التهديدات التي تتربص بمنطقة الخليج، وتنوع مصادرها وأشكالها -والتي تم التطرق إليها مع بداية هذا المقال- وتزايد حدة التوتر بين طهران وواشنطن، على أثر انسحاب الأخيرة من الاتفاق النووي الإيراني، وإعادة فرض الحصار الاقتصادي عليها، وخفض صادراتها النفطية إلى «الصفر»، إضافة إلى إجراءات عقابية أخرى فيما عرف بسياسة «الضغط الأقصى».. فقد ازدادت المخاطر الأمنية، الأمر الذي أعاد موضوع أمن الخليج العربي إلى واجهة الاهتمام الدولي، كما أصبح أمن الطاقة وأمن الممر المائي الاستراتيجي، مضيق هرمز، الذي يمر عبره 40% من النفط في العالم، ملحا أكثر من أي وقت آخر. 

ومنذ عقود بنت دول الخليج استراتيجيتها الأمنية على ارتباط مصالحها بالمصالح الأمريكية والغربية في المنطقة، فلم يكن أمن الخليج وسلامة الملاحة فيه شأنا خليجيا صرفا في أي لحظة من اللحظات خلال العقود الماضية، خاصة منذ تحوله إلى مركز الثقل النفطي العالمي، وبفضل هذا لم تخُض دوله حربًا لدرء تهديد أو عدوان تعرضت له، منفردةً، وإنما خاضت جميع حروبها بالتحالف مع الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، والتي استضافت دول مجلس التعاون عددًا من قواعدها العسكرية، تأكيدًا على الروابط الوثيقة بينها، وتعزيزًا لأمن الممرات المائية المهمة وللتجارة الدولية.

وتأسيسا على هذا، وفي ضوء السعي إلى تأمين وضمان الملاحة المارة بالمضيقين هرمز وباب المندب، برز مؤخرا، تحالفان دوليان، لهما نفس الغاية؛ أولهما (التحالف الدولي للأمن البحري) (IMSC)، الذي أنشأته واشنطن، ويتألف حتى الآن إلى جانبها من «استراليا والبحرين والسعودية والإمارات وبريطانيا». ويهدف إلى مُساندة الجهود الإقليمية والدولية لمواجهة تهديدات الملاحة البحرية والتجارة العالمية. ومن خلاله تعمل واشنطن على تأمين مواكبة عسكرية للسفن التجارية، وتوفر بموجبه سفن «القيادة والسيطرة» للمراقبة والاستطلاع، على أن تقوم كل دولة بمرافقة عسكرية لناقلاتها النفطية. وفيما يخص موقف باقي دول الخليج من المشروع الأمريكي، فإن قطر وعمان تفضلان عدم المشاركة لتجنب أي مواجهات مع إيران، ويأتي موقف الكويت أقرب إلى القبول. وفي العموم، ترى الدول الثلاث أن الحوار والدبلوماسية يمكنهما أن يكونا أكثر فاعلية من التهديدات والعقوبات.

وتوجد بالفعل ميزة للإطار الذي تقوده الولايات المتحدة وهو أن وضعها كقوة اقتصادية وعسكرية يجعل منها قوة ردع فعالة ضد الهجمات الإيرانية، فهي اللاعب القادر على توفير نطاق وحجم القدرات اللازمة لقيادة جهد قوي للأمن البحري في الخليج، كما أن وجودها العسكري الكثيف في المنطقة يجعل المشروع الأمريكي أقرب للتنفيذ. وعلى الرغم من التحول في السياسة الأمريكية إلا أن الشرق الأوسط لايزال الأكثر أهمية إستراتيجيا وجيوسياسيًّا للأمريكيين، بسبب احتياطياته من الطاقة وامتلاكه نطاقًا جغرافيًّا حيويًّا في مجال السياسات الدولية المستقبلية.

وثانيهما التحالف الأوروبي؛ الذي تؤيده فرنسا وإيطاليا وهولندا والدنمرك، والذي لم تقم دوله بعد بأي خطوات نحو إنشائه، فيهدف إلى تعزيز الأمن البحري في الخليج دون إثارة توترات أو استفزازات لإيران من خلال تبادل المعلومات لحماية سفن الدول المشاركة من الهجوم عليها أو احتجازها. ويرى المحللون أن هذا التحالف يمكن أن يشكل طرفًا محايدًا، فهو حليف استراتيجي لواشنطن، وفي الوقت ذاته معني بعلاقة طبيعية مع إيران. وعلى الرغم، من اتفاق طرفي المبادرتين –الأمريكية والأوروبية- على المنظور السياسي والأمني تجاه المنطقة، فإن هناك العديد من العقبات التي تحول دون دمجهما في مشروع واحد:

أولها: المخاوف الأوروبية من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة أن يؤدي إلى تأجيج التوترات وليس حلها، خاصة أنها مازالت ملتزمة بالاتفاق النووي الإيراني.

وثانيها: رفض معظم الدول الأوروبية خاصة فرنسا وألمانيا الانضمام إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، لإدراكهما التحدي الكبير الذي يمثله لدبلوماسيتهما المعارضة للعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران ولسياسة ترامب الأحادية من الاتفاق النووي. 

وثالثها: رفض الدول الأوروبية التورط في مواجهة عسكرية مع إيران، قد يكون لها تداعيات مثل، ارتفاع أسعار النفط، وموجات الهجرة غير الشرعية المتوقعة، وازدياد التطرف والإرهاب.

وفي مبادرة جديدة من إيران لحلحلة أزمتها، أعلن الرئيس الإيراني، حسن روحاني في الدورة 74 للجمعية العامة للأمم المتحدة عن مبادرة أطلق عليها «تحالف الأمل»، وتدعو فيها إلى تشكيل تحالف إقليمي يجمعها ودول الخليج العربي؛ يقوم على ضمان الأمن الذاتي للخليج ومضيق هرمز، وتأمين إمدادات الطاقة وحرية الملاحة، وهي غير بعيدة عن طروحات روسية وصينية سابقة تدعو إلى أنّ يكون أمن الخليج مسؤولية دوله مجتمعة، وتحت مظلة أممية، ودون تدخل من الولايات المتحدة. 

وبحسب المراقبين، فإن مبادرة إيران تأتي بعد أن استشعرت التهديد الذي يمثله تشكيل تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة، والذي من المتوقع أن يضعف قدرة قواتها البحرية على التحرك، ويشدد الحصار عليها ويعزلها دوليا. كما أن مبادرتها تتبنى رؤية مشوَّهة لأمن مضيق هرمز تنطلق من اعتباره مِرفقا إيرانيا وليس ممرا ملاحيا دوليا.. كما تُفهم على أنها مناورة لتحسين صورتها ولامتصاص الضغوط الدولية، ومحاولة لبناء تفاهمات بين إيران وبعض جيرانها. وهناك من يرى أنها محاولة للعب على وتر الشكوك المتزايدة في مدى أهمية المصالح الخليجية على أجندة دونالد ترامب. وبالمنطق الإيراني، هي رسالة تطمين لجيرانها الخليجيين أنها لن تُقدم على أي عمل عدائي تجاههم خلافا لما تروجه الولايات المتحدة. 

وفي الواقع، تبقى محاولات إيران محكوما عليها بالفشل، إذ توجد فجوة ثقة بين دول الخليج وإيران، بسبب تدخلاتها الإقليمية وتهديدها لاستقرار المنطقة، وأنها مسؤولة عن التوترات وزعزعة الأمن والاستقرار في الخليج بشكل مباشر أو غير مباشر عبر وكلائها وأذرعها ناهيك عن أطماعها التوسعية وسياستها الطائفية والمذهبية، ولهذا فإن مصير مبادرتها مرهون بقدرتها على تحويلها إلى خطوات ملموسة لخلق ثقة عند جيرانها.. إذ من الواضح أن دول مجلس التعاون غير مستعدة للتخلي عن شراكتها العسكرية مع الولايات المتحدة في غياب قدرة محلية حقيقية بضمان أمنها ومصالحها السياسية، خاصة وأنها لم تتطرق إلى معالجة حقيقية لقضايا الخلاف الرئيسية بين الجانبين.. ولهذا لن تتعاطى دول الخليج مع المبادرة، التي تبدو فرص نجاحها معدومة، ومن جهة أخرى؛ فإنّ جوهر التحالف الذي تقترحه، هو أن تكون هي بديلا للولايات المتحدة في قيادة المنطقة، وهو أمر ترفضه دول الخليج.

وعليه، يبقى قبول المبادرة؛ مرهونًا بتوافر متطلبات أساسية، أولها وجود توافق إقليمي على تحديد التهديدات المشتركة في المنطقة، وثانيها القبول الخليجي لدور إيران في «حماية أمن الخليج»، وليس كمصدر للتهديد، وثالثها قبول إيران بحقيقة أن برنامجها النووي وسياساتها التوسعية في المنطقة هما سبب زعزعة الأمن الإقليمي.. ومن دون ذلك فإن المحصلة النهائية للمبادرة هي الرفض.

 من هنا، يفهم من كل ما سبق، أن «المبادرة» لن تلقى آذانا صاغية. وفي أحسن الأحوال؛ فإنّ أصواتا خليجية قد تتعاطى معها في حدود الدبلوماسية المحدودة (سلطنة عُمان، وقطر، والكويت) دون التحالف معها، خاصة أنّ دول الخليج «الست» ترتبط بعلاقات استراتيجية أمنية وعسكرية وثيقة مع الولايات المتّحدة.

على العموم، تشهد منطقة الشرق الأوسط تطورات وتحولات، خلقت ظروفا أمنية وسياسية غير مسبوقة، شكلت تحديا وتهديدا للاستقرار والأمن العالميين، وهو ما يبرز معه أهمية التحالفات الإقليمية والدولية كونها عاملا أساسيا في ضمان أمن واستقرار دول وشعوب العالم وضمان مصالحها المشتركة، منها ما يتعلق بحماية الممرات المائية المتمثلة في مضيقي هرمز وباب المندب، حيث يمر عبرهما أكثر من ربع إمدادات العالم من الطاقة، فيما تمر أيضا حركة التجارة خارج نطاق الصادرات النفطية من الصين والأسواق الناشئة في آسيا وأوروبا من خلال مضيق باب المندب.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news