العدد : ١٥٢١٧ - الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٧ - الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

عندما يكون الحكم قبل المداولة!

بقلم: د. يحيى عبدالقادر

السبت ١٢ أكتوبر ٢٠١٩ - 01:00

كلنا نتذكر الأفلام المصرية القديمة (أبيض وأسود) التي تنتمي إلى الزمن الجميل والذي أصبح اليوم الزمن الجميل جدا، وربما الفردوس المفقود نظرًا إلى سلسلة النوازل التي تلم بنا كل صباح جديد. في روايات الأفلام المجيدة التي كان معظمها مقتبسا من الأدب العالمي أو معدا عن روايات لمبدعين عظام مثل طه حسين ونجيب محفوظ ويوسف جوهر، كان يضم مشهد المحاكمة حيث يقف وراء القضبان متهم يبكى بحرقة وهو عادة برئ مثل عبدالوارث عسر في فيلم (صراع في الوادي). وبعد مرافعة الادعاء ودفاع محامى المتهم يطالع القاضي أو رئيس المحكمة المستندات التي بين يديه ثم ينطق عبارته التاريخية الشهيرة التي أصبحت أيقونة في سجلات السينما العربية «الحكم بعد المداولة». في غرفة القاضي يتشاور مع مستشاريه ثم يخرج ليصدر الحكم، ولما كانت سينما الزمن الجميل تحاكى الواقع المرير إلى حد بعيد كان الحكم عادة يصدر بالإعدام حتى تستقرالعدالة وتستمر الحياة!

عصر يوم الجمعة (22 يوليو 2011) وقع انفجار في مبنى رئيسي بوسط العاصمة (أوسلو) بدولة النرويج وسقط ضحايا أبرياء وانطلقت أصابع الاتهام تفتش عن المجرمين العتاة. وبعد ساعات وقعت مذبحة أخرى راح ضحيتها فتية أبرياء في جزيرة (يوتويا). كنت أتابع الأنباء على صفحت شبكات الإنترنت واكتشفت أن محطة أمريكية تذيع بيانات عن الحادث.

تابعت المذيع وهو يحاور مراسله في لندن الذي أخذ يتناول طبيعة الجناة وهنا اكتشفت أنه خلافا لسينما الزمن الجميل التي كان فيها (الحكم بعد المداولة) فإن المحاور انبرى ليؤكد لنا أننا في القرن الواحد والعشرين نطبق مبدأ عجيبا هو أن (الحكم قبل المداولة)!

‭{‬ ما تحليلك للحادث المأساوي؟

- تنظيم «القاعدة» طبعا وراء الحادث

‭{‬ ما الذي يدل على تورطهم؟

- دقة التنفيذ الذي يشتهر به التنظيم

- شكرا.. تابعنا بالتطورات

العجيب أن نفس الموقع الذي بث وقائع المأساة أكد أن الجاني في مذبحة جزيرة (يوتويا) مواطن نرويجي من أهل الجزيرة التي وقعت فيها الجريمة.. فيكف تحول رجال «القاعدة» ذوو الشعر الأسود الفاحم واللحى المرسلة إلى شباب ينتمون إلى عرق شمال أوروبا الإسكندنافي المشهور بالبشرة الصافية والشعر الأشقر (حتى أن الراحلة مارلين مونرو تنتمي إلى تلك المجموعة العرقية). أليست تلك معجزة لا يقدر عليها إلا زعيم تنظيم «القاعدة» الذي يقال إنه يرقد اليوم في قاع المحيط؟

 اليوم صار علينا أن ننسب وقوع أي جرم أو مأساة إلى تنظيم «القاعدة» حتى لو وقع في جزر النرويج واقترفه أهل البلد أنفسهم. لكن رجال آلة الإعلام الكاذب على ضفتي الأطلسي أحدهما في نيويورك وقرينه في لندن يقسمان بأغلظ الأيمان أن الجاني (قاعدي) بالرغم من أن الحادث محلي. لاحظ أن هذا تحليل رجال الإعلام المحترفين فما ظنك برجل الشارع العادي؟

ابتكرت وسائل الإعلام الضال وسيلة جديدة لاستطلاع آراء الجماهير فيما يتعلق بالنوازل التي يمر بها العالم من سياسة واقتصاد وفضائح ومذابح. طالعت أول رأي لمواطن غربي حول مأساة النرويج فماذا دون الرجل؟ 

 كتب يقول هكذا مباشرة: «أخيرا عاد صديقنا الإسلام ليضرب من جديد..» وهكذا توحدت الرؤية واستقرت النية على كافة المستويات. فالإعلام الرسمي يدين الإسلام من دون قرينة واحدة تربطه بالمأساة ثم يؤازره الإعلام الشعبي الذي يمثله صديقنا الذي لصق التهمة بنا من دون أوهى صلة. هناك مثل مصري شهير يقول «الصيت ولا الغنى»، أي أن الشهرة تفوق الثراء والواقع الحقيقي أحيانا. 

حين طلع النهار تابعت تصفح شبكات التواصل الإخبارية للتأكد من صدق حدسي بأن «القاعدة» لا ناقة لها ولا جمل في جزر النرويج فماذا دونت وسائل الإعلام الدولي؟ حين طلع النهار تبين أن الجاني الرئيسي رجل نرويجي يبلغ من العمر32 عاما وهو مسيحي محافظ ينتمي إلى جماعات اليمين المتطرف ويدير مزرعة للإنتاج الزراعي. كما أن المجرم الذي وصفته وكالات إعلام بلده بأنه «مضطرب ذهنيا» لم ينعم يوما بقضاء ليلة في رحاب (تورا بورا) ولا تلقى العلم على يد الملا عمر. 

وكأن التاريخ يعيد دورته، فكما حكم القاضي على الممثل القدير عبدالوارث عسر في فيلم (صراع في الوادي) بالإعدام وهو بريء.. فاليوم الإسلام مدان وهو بعيد تماما عما حدث لكنها الاسطوانة الإعلامية الغربية الجاهزة للتشغيل فورا ودائما.. ومن مفارقات هذا الزمان ان اللص يسرق والقاتل يسفك الدماء وعلينا تلقى العقوبة ودفع الدية والإذعان لمبدأ جديد هو أن (الحكم قبل المداولة)!!

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news