العدد : ١٥٢١٧ - الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٧ - الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الاسلامي

تأملات إيمانية في آيات القرآن الكريم : «وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ» (2)

بقلم: د. محمد عطا مدني

الجمعة ١١ أكتوبر ٢٠١٩ - 11:24

 

لقد ذكرت الأبحاث الجيولوجية الحديثة أن الجبال تطفو على الألواح القارية (tectonic plates)، حيث تمتد جذورها عميقًا في بحر من الصخور الحارة اللينة ذات الكثافة العالية، فمنذ أكثر من ثلاثة آلاف مليون سنة كان سطح الأرض ملتهبا بما تطلقه البراكين والهزات الأرضية من مواد منصهرة، وبما تطلقه الأرض من باطنها من حمم مشتعلة وغير ذلك، وخلال ملايين السنين برد الغلاف الخارجي لسطح الأرض، وتشكل في ألواح تغطي الكرة الأرضية، وقد ثبت جيولوجيا أن هذه الألواح تتحرك ببطء ومعها الجبال، تدفعها تيارات الباطن تمامًا كما تدفع تيارات الرياح السحاب ليتحرك ببطء، وهذه الألواح هي التي كوّنت القشرة الأرضية (earth crust)، والتي تتحرك بشكل مستمر ولكن بحركة بطيئة جدا لا تلاحظها عين الإنسان، وعند اصطدامها مع بعضها فإنها تشكل ضغطا رهيبا يتجه إلى الخارج بشكل عمودي على سطح الأرض، ويؤدي هذا الضغط إلى إلقاء أطراف هذه الألواح للأعلى وبروزها. وبمرور ملايين من السنين تتشكل الجبال التي نراها اليوم. لذلك نجد البيان القرآني يؤكد هذه الحقيقة العلميـة بقـوله تـعالى: «وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» (النحل: 15)، وهنا نجد أن كلمة (أَلْقَى) هي الكلمة المثالية للتعبير عن آلية تشكل الجبال بأمره سبحانه وتعالى، وذلك بغرسها في أعماق الأرض لتثبيت القشرة الأرضية حتى لا تنفرط وتميد بنا. وقد أوضحت تلك الأبحاث الجيولوجية أيضا أن الجبال لها جذر داخل الأرض يشكل الجزء الأكبر من حجم الجبل، وقد يمتد أكثر من خمسين كيلومترا في أعماق الأرض، وهكذا تبين للعلماء أن الجبال تمثل (مثبتات) للأرض خلال رحلة دورانها حول نفسها وحول الشمس، فالأرض تدور بسرعة كبيرة تتجاوز الـ1600 كيلومتر في الساعة، ولولا وجود هذه المثبتات لاختل توازن صفائحها الصخرية، وانفرط عقدها في الفضاء، وهنا يأتي البيان القرآني ليقول لنا: «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا» (النبأ: 6-7). 

وقد أدت أبحاث علم المناخ (climatology) إلى الكشف عن علاقة أخرى بين الجبال والسحاب، فقد وجد أن الجبال تلعب دورا أساسيا في تشكل السحب والأمطار، فعندما تتبخر مياه البحار والمحيطات وتتكون كتل السحب تأتى الرياح لتدفعها أمامها حتى تواجه الجبال التي تقف أمامها كمصدات للرياح، فتضطر الرياح إلى الصعود إلى أعلى حيث قمم الجبال الباردة التي تغطيها الثلوج أحيانا، فتنخفض درجة حرارة السحب ويتكثف ما بها من بخار الماء على هيئة أمطار تسمى الأمطار التضاريسية. وعندما تتجمع المياه بين طيات الجبال وصخورها ينفذ بعضها إلى باطن الجبال، حيث يتم تنقيته وتصفيته عبر طبقاتها الصخرية. ولهذا نجد أعذب الينابيع المائية هي الموجودة في الجبال، وهنا تتراءى أمامنا عظمة القرآن الكريم حين يتحدث بدقة عن دور الجبال في المطر وتصفية الماء ليصبح ماءً فراتا، يقول المولى جل وعلا في الإشارة إلى هذه الظاهرة: «وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتًا» (المرسلات: 27).

كيف علم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم قبل أربعة عشر قرنا بحركة الجبال التي تشبه حركة السحاب في شكلها وحركتها؟ وكيف علم بدورها في تشكيل الغيوم والمطر وتصفية الماء؟ من أخبره بتلك المعلومات التي لم يكتشفها البشر إلا منذ سنوات قليلة، إنه عالم الغيب والشهادة الواحد الأحد، سبحانه وتعالى عما يشركون. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news