العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

وماذا عن تلفزيوناتنا؟!

تناولتُ في مقال الأمس ما أوردته مجلة سيركيوليشن التي تصدرها الجمعية الأمريكية للقلب، حول المخاطر القاتلة للجلوس أمام التلفزيون أربع ساعات متواصلة أو أكثر، لأنك في جلسة كتلك، تكون شبه جثة، وتعاني من اضطرابات في عملية الاستقلاب وحرق الدهون والسكر وتتعرض لبطء وخلل في الدورة الدموية ومن ثم في وظائف القلب، هذا غير تجلط الشريان العميق DVT الذي ينجم عن الإبقاء على الساقين بلا حراك لمدة طويلة، ومعلوم أن هناك أناسا يتفادون الرحلات الجوية الطويلة بزعم أنها مرهقة ويجلس الواحد منهم نفس مدة الرحلة الجوية الطويلة أمام التلفزيون، ولا يشكو من الإرهاق إلى أن تقع الفأس على الرأس، ولو كنت أصلا تعاني من علة في القلب فإن جلوسك طويلا أمام التلفزيون شروع في الانتحار.

تذكر أن هذه الدراسة أجريت في بلدان غربية في كل منها نحو سبعمائة قناة تلفزيونية، كل واحدة أحلى وأكثر دسامة من الأخرى: برامج اقتصادية وسياسية واجتماعية وعلمية وأكاديمية وكوميدية «متعوب فيها» وتعد بمهنية عالية. (طبعا عندهم قنوات الوسخ على قفا من «يشوف»). العمل التلفزيوني في أوربا وأمريكا يؤخذ بجدية، وتخصص له الميزانيات الضخمة، لأن التنافس شديد لاجتذاب الجماهير، وتكون هناك استطلاعات لآراء المشاهدين حول البرامج وإذا هبطت شعبية أحدها يتم إلغاؤه، حتى الإعلانات عندهم تفتح النفس وتخليك تشتري أشياء لا حاجة لك بها.. ونحن فاشلون حتى في دبلجة إعلانات أولويز.. كيف يجعل استخدام أولويز المرأة سعيدة ومبتهجة تتهادى فرحة مرحة على الشاشة وكأنها نالت الماجستير والدكتوراه بالقفز بالزانة من الشهادة الثانوية؟

إذا كانت التلفزيونات الغربية تسبب الجلطات والسكتات القلبية، فإن التلفزيونات العربية تسبب التهاب المريء والزائدة الدودية وتكيس المبايض وانفصام الشبكية والشخصية، وديدان الأمعاء وسرطان الشنب ودوالي الجيوب الأنفية وبواسير البلعوم؛ في الغرب تبلغ أطول مدة للبرنامج الواحد 25 دقيقة، هذا إذا كان البرنامج فاشلا، أما إذا كان ناجحا كبرامج أوبرا وينفري وديفيد ليترمان وبرنامج المسابقات مثل ذا فويس وأمريكان آيدول، فإنه ومقابل كل دقيقتين من البرنامج هناك دقيقتان من الإعلانات، أما عندنا فنشرة الأخبار قد تستغرق ساعة وقد تستغرق ساعتين وربع الساعة.. نحن الأمة الوحيدة التي لم تكتشف بعد أن هناك فرقا بين الإذاعة والتلفزيون، ولذلك تجد رأس شخص ما يملأ الشاشة ويظل يلقلق ويلغو ويرغي ويزبد إلى ما شاء الله، في صورة شبه ثابتة، ويا ويلك إذا كان رأس الدولة يقوم بأي نشاط خارج مكتبه: استنفار عام وبلاغيات معلبة ومستهلكة وغير صالحة للاستخدام الآدمي يتم صبها في آذان المستمعين: الرخاء والرفاهية والاستقرار والوحدة الوطنية والبحر صار طحينة وهربت الجراثيم طالبة اللجوء إلى دول الجوار، وعم التعليم ولحق الجهل بأبي جهل فصار منبوذا لا ذكر له.. وارتفعت نسبة الأوكسجين في الجو بسبب السياسات الرشيدة.. وعلى بال ما الطبالين والزمارين يكونون قد استعرضوا قدرات حبالهم الصوتية يكون شريانك الأورطي قد انتفخ بفعل الغليان الصامت.

والترفيه التلفزيوني عندنا يعني بث الأغاني.. ما هذا البله والخبل؟ هل هناك شخص يعشق الغناء والموسيقى يعجز عن اقتناء ما يشاء من الأشرطة والأقراص.. وببلاش؟ ونشتري حقوق بث برامج أجنبية بزعم إنتاج نسخ عربية منها؟ أي عجز وعيّ وفشل وبجل هذا؟ وكله كوم والمسلسلات التركية كوم.. تركيا بلد ناهض بقوة.. بلد فيه نهضة صناعية واقتصادية وثقافية.. تركيا قوة عسكرية مهابة.. وهي الآن تتحدى الولايات المتحدة في سوريا، ولكننا قلبنا تركيا فوق تحت ولم نجد فيها شيئا يعجبنا سوى ما كان في براميل القمامة.. نعم نحن نستورد كل شيء تقريبا.. بس نستورد زبالة من حر مالنا؟ يا مثبت العقول أنقذنا من مصير العجول.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news