العدد : ١٥١٨٧ - الثلاثاء ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٧ - الثلاثاء ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

أمن الطاقة بعد هجمات أرامكو

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الخميس ١٠ أكتوبر ٢٠١٩ - 01:00

الأبعاد الأمنية لقضية أمن الطاقة تضرب بجذورها في أعماق تاريخ ظهور الطاقة بالأساس، بما في ذلك حماية خطوط الإمداد، والعلاقات السياسية بين المنتج والمستهلك، وما فرضته العولمة من تحديات جديدة.

وبدأ مفهوم أمن الطاقة يتشكل في سبعينيات القرن الماضي، بعد قطع الدول العربية إمداداتها النفطية عن الدول الحليفة لإسرائيل؛ وهو مفهوم يشير إلى «توافر الإنتاج الكافي من مصادر الطاقة بأسعار مقبولة». ويعتمد قياس أمن الطاقة على عدة مؤشرات أولها؛ الوفرة الكمية، وتعني «استمرار تدفق مصادر الطاقة من الدولة إلى الخارج والعكس». ويعتمد التدفق من الداخل إلى العالم الخارجي على قدرة الدولة على الوفاء بالمطالب الخارجية للدول الأخرى.

 وتأتي الكلفة المقبولة كثاني هذه المؤشرات، بحيث يجب أن يكون السعر معقولا وملائما للدول المستوردة، ويتحدد السعر وفقا لتكاليف الاستخراج والنقل وحماية البيئة وغيرها. أما ثالثها فيتمثل في تنوع المصادر، وهو ما يشير إلى تعدد مصادر الاستيراد، وتعدد وتنوع مصادر الطاقة بين التقليدية وغير التقليدية. كما تحكم طبيعة العلاقات بين الدول هذا المفهوم؛ فوجود علاقات تعاونية بين الدول تؤدي إلى تعزيز أمن الطاقة، ووجود نسبة مرتفعة من تبادل الطاقة تؤدي إلى تقليل الصراعات المسلحة. وتعتبر المقبولية البيئية أحد أهم مؤشرات هذا المفهوم، بمعنى أن تكون مصادر الطاقة آخذة في اعتبارها الجوانب البيئية، بحيث لا يترتب على إنتاجها أو نقلها مخاطر بيئية جسيمة. 

وتفرض التحديات الأمنية التي تمر بها منطقة الخليج أهمية تسليط الضوء على أمن الطاقة في السعودية باعتبارها واحدة من أكبر الدول المنتجة والمصدرة للبترول في المنطقة، بل في العالم أجمع، حيث تحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في إنتاج النفط؛ إذ تنتج 12.39 مليون برميل في اليوم، لتشكل بهذا الرقم ما نسبته 12.7% من إنتاج العالم الكلي للنفط، بحسب إحصائيات «منظمة أوبك» لعام 2017، وهي الأولى عالميا في تصديره، كما تمتلك أيضا ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم بعد فنزويلا، ويمثل إنتاج البترول ما نسبته 42% من إجمالي ناتج الدولة المحلي، و87% من إيرادات الميزانية. 

وتتعرض السعودية لضغوطات وتحديات أمنية بحكم مكانتها الإقليمية في المنطقة، فضلا عن امتلاكها للثروات النفطية التي تمثل مطمعا للكثير، وكان آخر هذه التحديات الهجمات على منشأتي بقيق وخُرَيص في 14سبتمبر 2019، التابعتين لشركة أرامكو – أكبر شركة لإنتاج النفط في السعودية- مما أدى إلى توقف كمية من إمدادات الزيت الخام تقدر بنحو 5.7 ملايين برميل يوميا، وما نتج عن ذلك من آثار سلبية على أمن الطاقة، تمثلت في انخفاض كمية إنتاج النفط بنحو 50% من الكمية المنتجة، مما أثر بالسلب على أمن الطاقة العالمي، فحوالي 6% من إمدادات العالم اختفت في ليلة وضحاها. وتوقع محللون أنه: «إذا أصبح هذا المستوى من الإنتاج خارج السوق لفترة طويلة من الوقت فسيكون هناك عواقب على الاقتصاد العالمي».

وفي ظل هذه الأزمة، ظهرت العديد من التوقعات الاقتصادية والأمنية، حيث توقع الخبراء الاقتصاديون ارتفاعا في سعر برميل خام النفط، وذلك لأن تراجع العرض بنحو 6% من إمدادات العالم من النفط، مع استمرار الكمية المطلوبة عند نفس المستوى سوف يؤدي إلى ارتفاع سعر برميل النفط، علاوة على تعطيل البنية التحتية لمنشأتي أرامكو، ما يؤدي إلى زيادة تكاليف الإهلاك الخاصة بإصلاح ما تم تخريبه جراء هذه الهجمات، فضلا عن ذلك، فإن الطلب على مصادر الطاقة الأمريكية سوف يزداد بشكل مضطرد؛ لأن إنتاجها يرتفع في الوقت الذي لا توجد مهددات له كما هو الحال في الدول النفطية الأخرى. وعلى الصعيد الأمني أثيرت أسئلة عديدة حول ما إذا كانت أنظمة الدفاع الأمريكية المتطورة المصممة أساسًا لردع الهجمات على ارتفاعات عالية، قادرة بالفعل على صد هجمات الطائرات من دون طيار وصواريخ كروز التي تحلق ببطء أكبر وعلى ارتفاعات منخفضة. ويتوقع بعض الخبراء الاسراتيجيين تذرع بعض الدول بالتدخل عسكريا في منطقة الخليج من أجل تأمين مصادر الطاقة وهو ما حدث في ليبيا على سبيل المثال، لكنه احتمال ضعيف بالنظر إلى القوة الإقليمية للسعودية وصمودها في وجه التحديات التي تواجهها.

وكنتيجة لما سبق؛ اتبعت السعودية عددا من الإجراءات لتأمين مصادر طاقتها ودرء أي محاولة تخريبية، تمثلت بداية في إخماد النيران عبر فرق إطفاء الشركة في أقل من 7 ساعات، أخذا في الاعتبار وجود نفط وغاز في هذه المنشآت وخزّانات محترقة، مما يدل على سرعة ودقة إدارة الكوارث لديها. واعتبر وزير الطاقة السعودي عبدالعزيز بن سلمان أن ما حدث في إخماد هذه الحرائق هو بمثابة «إعجاز»، وصرح قائلا: «أين ستجد شركة في العالم كله، مرت بهذا الهجوم المدمر وخرجت مثل طائر فينيق من الرماد؟ لا يوجد، سوى أرامكو السعودية». وطفقت الشركة تعمل على عودة طاقات إمدادات النفط السعودي بشكل كامل خلال أسابيع. وأكد الرئيس التنفيذي للشركة أن الإنتاج عاد إلى حوالي 70% قبل الأزمة، وسيعود إلى مستوياته الطبيعية «12 مليون برميل يوميا»، بحلول شهر نوفمبر.

وجاءت الحلول الأمنية في إعلان انضمامها للتحالف الدولي لأمن وحماية الملاحة البحرية وضمان سلامة الممرات البحرية في الخليج العربي ومضيق هرمز وباب المندب وبحر عمان، وهو المشروع الذي أعلنت عنه واشنطن. ويعتمد على تأمين مواكبة عسكرية للسفن التجارية التي تمرّ عبر مياه الخليج، وبموجب الخطة ستوفر الولايات المتحدة سفن «القيادة والسيطرة» للمراقبة والاستطلاع، على أن تقوم كل دولة بتسيير دوريات عسكرية ترافق سفن بلادها التجارية تحت علم تلك السفن. 

ويبقى أن الإجراءات التي اتبعتها السعودية تنم عن استعداد جيد لإدارة المخاطر المحيطة بأمن الطاقة، كما يأتي انضمامها لتحالف دولي خطوة جيدة في تأمين طرق وصول الطاقة وكذا منشآتها النفطية، لكن مع ذلك هناك عدة إجراءات من الممكن اتباعها لتأمين مصادر طاقتها على المدى البعيد، حيث يمكن للسعودية بيع حق إنتاج النفط لأكثر من شركة كبرى، وبالتالي تقليل حجم الخسائر المتوقعة، وكذلك عليها الاعتماد في صفقات الأسلحة على أسلحة الليزر لإسقاط الطائرات من دون طيار وغيرها من الأهداف الجوية الصغيرة. ويعد هذا النظام قادرًا على توجيه الليزر من الألياف الضوئية إلى أهداف جوية على مسافة قصيرة وتدميرها، ويمكنه أن يتفاعل بسرعة مع التهديدات، وهو قادر على إطلاق عدد من الطلقات من دون رصاصات أو قذائف مادية. فيما يمثل تنويع مصادر الدخل القومي أحد أهم تحديات التنمية للسعودية، فالاعتماد على الاقتصاد الريعي القائم على مورد واحد أو موردين على الأكثر، يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار العالمية والكوارث البشرية والطبيعية.

ختاما، يمثل أمن الطاقة أهمية كبيرة بالنسبة للسعودية، نظرًا إلى كونه المصدر الرئيسي في دخلها القومي، فضلا عن أنه يمثل الأهمية نفسها بالنسبة للعالم أجمع؛ إذ إنها تعد الأولى عالميا في تصديره، وهو ما يستوجب على جميع الدول المستفيدة أن تبادر إلى إيجاد الحلول العاجلة لتأمين الطاقة، سواء فيما يتعلق بمنشآت الإنتاج، أو خطوط توصيل النفط إليها كدول مستوردة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news