العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

ملامح من الـعـوائد الاقـتـصادية والاجتماعية لسياسات تـوطـين الـوظـائف فـي دول مجلس التعاون الخليجي

بقلم: د. أسعد حمود السعدون

الخميس ١٠ أكتوبر ٢٠١٩ - 01:00

ارتبطت سياسات توطين الوظائف والتي عدت من القضايا المحورية في دول مجلس التعاون الخليجي، باعتماد برامج مكثفة للتأهيل والتدريب والتطوير المهاري المسبق للمتقدمين للتوظيف بغية ان لا تؤدي عملية الإحلال إلى إحداث اثار سلبية في إنتاجية المنشآت التي تلتزم بها من جانب، ومن جانب آخر اعتاد القطاع الخاص تشغيل العمالة الوافدة بانضباط عال، وساعات أكثر من تلك المقررة في قوانين ونظم أسواق العمل، الأمر الذي يتطلب ان تكون إنتاجية المواطن بعدد الساعات النظامية للعمل مقاربة ان لم تكن مساوية لإنتاجية العامل الوافد بعدد ساعات عمل أكثر من المقررة نظاما ليحظى بالمقبولية في سوق العمل، وعادة الحكومات الخليجية هي التي تتحمل تكاليف التدريب. بالإضافة إلى التكفل بتحمل جزء مهم من رواتب وأجور المواطنين العاملين في القطاع الخاص لأجل ان يكون التوظيف فيه جذابا للمواطن من ناحية، ومن ناحية أخرى ان لا يؤدي إلى زيادة تكاليف المنشآت التي توظف المواطنين، وذلك في اطار حمايتها من احتمالات التعثر، وخاصة ان الكثير من مشروعات القطاع الخاص في دول المجلس قامت على ميزة العمالة الوافدة الرخيصة. ولم يقتصر دور الحكومات الخليجية على دعم إحلال العمالة المواطنة بدلا من العمالة الوافدة في القطاعين العام والخاص، وانما حفزت النمو الاقتصادي، وخاصة لقطاع الأعمال الخاص، إلى جانب تنامي توطين التوظيف، حيث دعمت ومولت المواطنين لإنشاء مشروعاتهم الخاصة الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز ودعم ثقافة الابتكار وريادة الأعمال ليتمكن الشباب من ان يصبحوا أصحاب أعمال مميزة، وليسهموا في تشغيل العمالة المواطنة أيضا، وشجعت جذب الاستثمارات الأجنبية. وبالتالي فإن سياسات توطين التوظيف تتم في اطار دعم وتحفيز التنمية الاقتصادية المستدامة. ولرب سائل يسأل الا تؤدي هذه السياسات إلى زيادة الأعباء المالية على الدولة؟ قد يكون ذلك صحيحا على المدى القصير، الا انه على المديين المتوسط والبعيد فانه يقلص من حجم النزف المالي الذي تتعرض له دول المجلس من خلال تحويلات العمالة الأجنبية الوافدة إلى بلدانها، حيث تشير الإحصاءات إلى ان العمالة الوافدة تحول أكثر من 90% من دخلها المتحقق في دول المجلس إلى دولها الأصلية، بينما دخل المواطن الخليجي اغلبه ينفق في اطار الدورة الاقتصادية ويسهم في انتعاش الاقتصاد الخليجي بشكل أو بآخر، علاوة على ان إحلال العمالة المواطنة بدلا من العمالة الوافدة يسهم في تخفيف الضغط على الخدمات المقدّمة من قبل الدولة في عدة مجالات كالصحّة والتعليم وغيرهما. ويسهم في الحد من الأنشطة الاقتصادية المخالفة للقانون كالتجارة المستترة، والنشاطات الموازية مثل تجارة الأرصفة، والباعة الجائلون، والسماسرة والمسوقين غير المرخصين. وكذلك الحد من جرائم الوافدين الأخرى كجرائم الاتجار وتعاطي المخدرات، وجرائم تهريب العمالة من كفلائها وغيرها. لقد أخذت دول المجلس بعين الاعتبار في معالجتها لتحدي توفير الوظائف للأعداد المتنامية من الشباب ألا يكون على حساب تدهور قطاعات اقتصادية أو شرائح اجتماعية أخرى، وبالتالي كانت معالجاتها دقيقة وسبقتها دراسات معمقة ومنظور إليها في اطار الاقتصاد الكلي على صعيدي الحاضر والمستقبل، مقترنا بتخصيص موازنات هائلة للاستثمار الحكومي في قطاعات البنية التحتية واللوجستية والتعليم والصحة والتكنولوجيا، وفقا لمستحدثات الثورة التقنية الرابعة وتحسين الهياكل التنظيمية والمؤسسية والقانونية والتمويلية، واعتماد مبادئ الحوكمة والشفافية وتكافؤ الفرص ومحاربة الفساد المالي والإداري لتنسجم مع هذه التطورات، وتحويل اقتصاداتها من اقتصادات تقليدية تعتمد على ريع النفط إلى اقتصادات ديناميكية متنوعة الموارد تعتمد أحدث منتجات الهندسة الرقمية والأتمتة والذكاء الاصطناعي. 

وفتحت المجال واسعا للارتقاء بالمستوى التكنولوجي لقطاع الأعمال ولا سيما الصناعي منه، بما يقود إلى انخفاض الطلب على العمالة الوافدة المنخفضة التأهيل والتي تمثل نحو 80% من العمالة الوافدة إلى دول المجلس، وزيادة الطلب على العمالة الوطنية عالية التأهيل، وحرصت على ربط مخرجات التعليم والتدريب بالاحتياجات الديناميكية لأسواق العمل وتحسين جاهزية الشباب والشابات لدخول سوق العمل، في الوظائف ذات الأجور المرتفعة والمتطلبات المهارية المتوسطة والمرتفعة، وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل منطلقة من أن العمل حق لكل مواطن، ومن حق المواطنين ان تسعى حكوماتهم إلى توفيره لهم، ومنع استشراء البطالـة في صفوفهم. كما ان توطين الوظائف لا بد ان يشمل أبناء الأسر التي تحصل على الضمان الاجتماعي، والأسر متدنية الدخل التي تعتمد على دعم الدولة والجمعيات والمؤسسات الخيرية مما يسهم في نقلهم من الاحتياج وطلب العون إلى الاعتماد على النفس والشعور بالأمن المعيشي والاستقرار الحياتي، والاندماج الاجتماعي والنظر بتفاؤل إلى المستقبل. 

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news