العدد : ١٥١٨٧ - الثلاثاء ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٧ - الثلاثاء ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤١هـ

أخبار البحرين

علي سيار.. ذاكرة وطن

الثلاثاء ٠٨ أكتوبر ٢٠١٩ - 23:00

يعتبر الأستاذ علي سيار أحد أساطير الصحافة في البحرين، حيث ولدت على يديه العديد من الصحف والمجلات، ورغم التاريخ الحافل بالعطاء كان رحمه الله يأبى الحديث عن نفسه، حيث عرف عنه إنكار الذات، وحب العمل، إلى حد أنه قبل أن يحذف اسمه كرئيس تحرير «الوطن» في بداية الخمسينيات من قبل المستشار البريطاني، الأمر الذي يؤكد عدم بحثه عن أي مجد شخصي، بل كان كل ما ينشد إليه هو إيصال الرسالة الصحفية إلى القراء.

كان القلم الرفيق الوحيد للأستاذ الكبير علي سيار الذي يأنس إليه، ولذلك كان يبدو في يده طيعا أليفا يتحرك على الورق بعفوية وسلاسة ليعبر عن دواخل أفكاره، وكانت الكتابة الصحفية تحديا لا يرضى عنه بديلا، كتب أول مقال في أواسط الأربعينيات وكان حينئذ في المدرسة، وكم تمنى أن ينشر في جريدة البحرين، ولكنه لم ير النور إلى الآن.

على الرغم من عشقه للكتابة فإنه التحق بالتعليم الصناعي لاعتقاده أنه سوف يعمل لوقت محدود، وعلى الرغم من شعوره بأنه أخطأ الطريق إلى التعليم الصناعي منذ اللحظة الأولى إلا أنه انكب على الدراسة وتفوق وحصل على بعثة لاستكمال دراسته في القاهرة، وكانت هذه هي الحسنه الوحيدة في التعليم الصناعي، حيث وجد نفسه كالجائع الذي يجلس أمام مائدة عامرة، فاكتشف عالما جديدا ومثيرا طالما حلم به، فعرف طريق سور الأزبكية، وكان يقبل على شراء الكتب، ويطلع على كل ما ينشر في المجلات بشكل يومي وخاصة مجلتي روز اليوسف وآخر ساعة وجرائد البلاغ والوفد وغيرها الكثير، وكان يعرف منها مواعيد وأماكن الندوات والمحاضرات التي كانت تعج بها القاهرة آنذاك، ليكون في مقدمة الحضور، وليس هذا فقط بل كان يحضر مناقشات رسائل الماجستير والدكتوراه في جامعة فؤاد قبل أن يتغير اسمها ويصبح جامعة القاهرة.

وتعرف سيار على معظم أماكن التجمعات الأدبية والفنية الأخرى بما فيها المسارح ودار الأوبرا، حيث كان يحضر العروض المسرحية مرتين شهريا، فشاهد العمالقة في مسرحية مجنون ليلى وكليوباترا وبيومي افندى وراسبوتين، وبعد عام من وجوده بالقاهرة بدأ في كتابة الشعر بدلا من مراجعة الكتب المدرسية، وكان يسجل في مفكرته الأحداث التي كانت تمر به يوميا، من مظاهرات ورحلات مدرسية وملخصات للأفلام التي يشاهدها، وهذه الاهتمامات شكلت قناعته بأنه ضل طريقه إلى دراسة الصناعة، ومع ذلك انهى دراسته وحصل على الدبلوم العالي وعاد إلى البحرين ليدخل عالم المال.

التحق سيار بالعمل في البنك البريطاني وكان يعمل به المرحوم محمود المردي، ثم انتقل للعمل في الخبر كمترجم بشركة أمريكية، بعدها التحق بأحد البنوك بالخبر بناء على طلب المردي منه والذي كان يترأس هذا البنك وقتها، وتوطدت العلاقة بينهما على جميع المستويات بحكم العيش والعمل معا، وحين صدرت صوت البحرين التي كان المردي أحد مؤسسيها، دعاه الأخير إلى الكتابة فيها فكتب أول مقال بعنوان (نصفنا الحلو المر) ومن يومها باتت مساهماته في الجريدة بشكل منتظم، ثم عاد إلى البحرين والتحق بالعمل في مطبعة المؤيد كمدير، وانتقل إلى خطوة أخرى في طريق مستقبله الصحفي حيث اجتمع مع المرحوم المردي وأحمد يتيم ويوسف الشيراوي وناصر بوحميد وقرروا إصدار جريدة القافلة التي استطاعت خلال فترة وجيزة أن تكون الأكثر توزيعا في البحرين ومنطقة الخليج العربي، إلى أن تم صدور قرار بإغلاقها، ثم عادت مرة أخرى إلى الحياة ولكن تحت اسم (الوطن) وبدون ظهور اسمه عليها بناء على طلب المستشار البريطاني، ولكنها أغلقت أيضا بسبب الخط السياسي القومي الذي لم تتحمله الأحداث السياسية في هذا الوقت.

وقد تم إبعاده عن البحرين نتيجة قلمه الحر وكلمته القوية وذلك لأكثر من عشر سنوات أمضاها في الكويت، حيث مارس العمل الصحفي هناك إلى أن تم إبعاده مرة أخرى عن الكويت بسبب قلمه الناقد اللاذع لكل ما يرى من سلبيات، ليعود مرة أخرى إلى وطنه ليجد نفسه مهددا بالسجن أو الرحيل على الطائرة نفسها.

بدأ سيار صفحة أخرى من صفحات حياته حيث توجه بالطائرة إلى أبوظبي، والتحق بالعمل هناك في أحد بنوك دبي، ولكن سرعان ما أخبروه بضرورة ترك الإمارات بناء على رغبة المخابرات البريطانية، فتوجه إلى دولة قطر حيث كانت الدولة الخليجية الأخيرة والوحيدة التي يمكنه أن يسافر إليها، وساعده بعض الأصدقاء والأقارب للالتحاق بالعمل في احد البنوك كمساعد تجاري لمدير البنك نظرا إلى خبرته السابقة في هذا العمل بالإضافة إلى إجادته للغة الانجليزية، وهنا توهم أن الأيام بدأت تبتسم له بعد سنوات التشرد، فاستأجر شقة وقام بتأثيثها، وحين جاء اليوم الذي كان يستعد فيه لاستقبال أسرته كي تستقر به الأوضاع طلب منه مغادرة الدوحة خلال ثلاثة أيام، حيث تم إبلاغه بثلاث جهات يستطيع الذهاب إلى إحداها هي البحرين والظهران وبيروت، ولم يجد أمامه سوى بيروت ليبدأ محطة أخرى من محطات حياته.

انتقل سيار للحياة في بيروت مع أسرته، ثم نصحه أحد أصدقائه بالذهاب إلى سوريا لتكون هذه المحطة هي نهاية رحلة التشرد بالنسبة إليه، حيث استقر به المقام هناك وفي هذه الأثناء وبالمصادفة تقابل مع احد أصدقائه فنصحه بكتابة خطاب إلى أمير البلاد الراحل  الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة  طيب الله ثرآه لطلب العودة إلى البحرين لوضع حد لسنوات الغربة، ولكنه تباطأ في اتخاذ هذه الخطوة فما كان من هذا الصديق إلا أن توسط له لدى حاكم البحرين شارحا المأساة التي يعيشها سيار في الغربة، ليفاجأ بعدها بحوالي شهر باستجابة القيادة البحرينية لرغبته في العودة إلى وطنه ليفتح صفحة جديدة كانت آخر عهده بالغربة. 

وحين عودته إلى البحرين عمل كموظف في أحد المكاتب، حتى استطاع أن يعود إلى عشقه الأول الصحافة، فعمل بجريدة الأضواء من دون مقابل، ثم سعى لاستصدار مطبوعته الأسبوعية الشهيرة بعنوان (صدى الأسبوع)، التي صدرت بإمكانيات محدودة جدا، وأحلام وطموحات كبيرة للغاية، وبعد العديد من الكبوات استطاعت أن تخطف الأضواء وتحتل مكانة كبيرة عند القراء وبلا منافس.

وبعد مرور ثلاثين عاما على صدور صدى الأسبوع أفل نجمها وكان لا بد من أن يتخذ سيار قرار إغلاقها، وخاصة أن صحيفة «أخبار الخليج» استطاعت أن تقف على أرض صلبة منذ بداياتها، فراودته فكرة إصدار جريدة يومية لإدراكه أن نجم الصحافة الأسبوعية قد أفل، وبالفعل تقدم بطلب ترخيص قبل أن تصدر جريدة الأيام بسنتين ولكن الطلب ظل حبيس الأدراج، وبعد عام تقدم بطلب آخر مرفق بدراسة جدوى مفصلة مدون بها اسماء الشركاء الذين سيسهمون في تمويل الجريدة، وقد لاقى طلبه أيضا نفس المصير، وكان هذا أقسى عليه من الرفض.

ومن المحطات الهامة في مسيرة علي سيار والتي توجت مشواره الصحفي الطويل كانت عمله مع جريدة «أخبار الخليج» من خلال كتابة مقاله الشهير (صباح الخير)، وهي تجربة تعتبر من أثرى تجاربه على مر المسيرة في هذا الحقل، وكان يتابع من خلاله كل القضايا المحلية والعربية والدولية ويتفاعل معها ويبدي الرأي فيها، وكان هذا العمود يمثل بالنسبة إليه تحديا كبيرا، لكنه كان بقدر هذا التحدي.

رحم الله فقيد الصحافة البحرينية علي سيار، فقد كان بحق علما من أعلامها وسيظل رصيد عطائه محفورا في ذاكرتنا.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news