العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

شرق و غرب

صناعة «الغباء الرقمي»

أجرى الحوار: غيوم غراليه

الثلاثاء ٠٨ أكتوبر ٢٠١٩ - 10:55

 

اضطرابات حادة في الذاكرة، مشاكل نفسية وذهنية وعصبية، نزعات عدوانية، وغيرها من الأعراض الأخرى التي قد يصاب بها إنسان العصر الحديث الذي يبالغ في استخدام الشبكة العنكبوتية الإنترنت وبقية أدوات التواصل الاجتماعي ومنتجات التقنية الرقمية وهو ما يعتبره المختصون إدمان الانترنت. ذلك ما تطرق إليه أستاذ الطب النفسي العصبي ميشيب ديسموجيه في كتابه الجديد «صناعة الغباء» وقد صدر مؤخرا عن دار غراسيه الفرنسية. 

 مجلة لوبوان الفرنسية أجرت الحوار التالي مع المؤلف الذي أثار كثيرا من الجدل بما كشف عنه في كتابه الجديد من أمور أثارت القلق في أوساط مستخدمي الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وأولياء الأمور الذين يشكون من إدمان أطفالهم على هذه الأدوات الرقمية. 

‭{‬ كيف تولدت فكرة تأليف هذا الكتاب؟

لقد توليت قيادة فريق علمي لإجراء بعض البحوث العلمية في مدينة ليون الفرنسية حول وظائف الدماغ البشري كما كانت لي نقاشات حول هذه المسألة مع البروفيسور موتوليزـ المختص في طب أعصاب الأطفال، وقد وصلنا إلى أن الأطفال الذين يلهون ويلعبون ويتحدثون يتعافون بعد خضوعهم لعمليات جراحية على الدماغ بشكل أفضل من الأطفال الذين يجلسون أمام الحاسوب لفترة طويلة. تعمقت في هذا الموضوع العلمي وركزت خاصة على مدى أهمية سحب أجهزة التلفزيون من غرف الأطفال علما وأن أولياء الأمور قد اعترضوا على هذه النقطة عندما استطلعنا أراءهم. 

‭{‬ ما مدى خطورة تأثير هذه الأدوات السمعية والبصرية والرقمية؟

إن استهلاك الأطفال للمنتجات التقنية ليست فقط مفرطة بل إنني لن أبالغ إنْ قلت إنَّ الوضع قد خرج تماما عن السيطرة. فالأطفال ممن هم في سن الرابعة يقضون ما معدله ثلاث ساعات يوميا في استهلاك هذه المنتجات الرقمية (كمبيوتر، ألعاب فيديو، ألعاب منزلة على الحاسوب...) علما بأن هذه المعدل اليومي يرتفع إلى 5 ساعات يوميا في سن العاشرة، وصولا إلى 7 ساعات في سن المراهقة. 

أظهرت الدراسات العلمية أن الشاشات تترك أثرها على الأطفال ممن هم دون سن السادسة من أعمارهم وذلك بعد مشاهدتها لمدة تتراوح ما بين 10 دقائق إلى 15 دقيقة يوميا. يكفي أن يشاهد الطفل أو الشاب هذه الشاشات بمختلف أنواعها مدة تتراوح ما بين 10 و30 دقيقة يوميا حتى يكون معرضا للإصابة بالسمنة أو التخلف الذهني والفكري.

أطفالنا ليسوا في حاجة إلى مثل هذه الشاشات الحديثة كي يكبروا وينضجوا بل إنهم في حاجة ماسة إلى الاختلاط بالناس والتحدث إلى الآخرين والضحك واللهو واللعب. 

*الشاشات عديدة ومتنوعة، مثل الهواتف الذكية والكمبيوتر المحمول والحاسوب المكتبي واللوحات الذكية التابليت، هل لها نفس التأثير السلبي على المستخدمين عامة والأطفال على وجه الخصوص؟

اللغة هي عماد الذكاء والانتباه هو العمود الفقري والنعاس ضروري من أجل إعادة إنعاش النظام برمته. إن مختلف هذه الشاشات الرقمية تتسبب في تقويض هذه الأعمدة الثلاثة. يكفي أن نلاحظ تراجع مستوى الاستيعاب والإبداع اللغوي لدى الكثير من مستخدمي هذه المنتجات والشاشات الرقمية. 

هناك آلاف الدراسات من بينها 1500 من أفضل البحوث الأكاديمية وقد أجمعت على الآثار السلبية لهذه المنتجات الرقمية على سيكولوجية الطفل. فالطفل يتعلم وينضج عندما يكون من أبناء البشر ويتفاعل معهم ويمارس حياته الطبيعية. 

‭{‬ في كتابك الجديد تتحدث عن حالة من الإنكار للأخطار التي قد تنجم عن منتجات التقنية الرقمية؟

يعتبر الوضع أفضل في الولايات المتحدة الأمريكية ذلك أن الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال ظلت تنبه إلى هذا الخطر على مدى الأعوام العشرين الماضية ولذلك الأمر في كل من كندا وألمانيا، فيما تبدو عدة دول أخرى في الغرب لا تدري هذه الخطورة كما ينبغي. في جمهورية تايوان على سبيل المثال تسلط عقوبة قدرها 1500 يورو على من يترك طفله دون سن العامين أمام شاشة الحاسوب. 

‭{‬ هل تعتبر إذا أن التقنية الرقمية تلحق الضرر بدماغ الطفل على وجه الخصوص؟

هذا ما ذكرته في كتابي الجديد. فالتقنية الرقمية تشوه وتفسد التطور الطبيعي لدماغ الطفل وهو ما أثبته عديد الدراسات العلمية والطبية التي أجريت في أشهر الجامعات والمراكز والمختبرات العلمية والطبية. الطفل الصغير يتعلم الكلمة ويتذكرها أيضا إذا سمعها في بيئتها الطبيعية مرتين أو ثلاث مرات على أقصى حد. أما إذا كان يشاهد تسجيل فيديو فإنه سيكون في حاجة للمساعدة ثلاثين أو أربعين أو حتى خمسين أو حتى ستين مرة قبل أن يتعلمها ويتذكرها. 

‭{‬ لكن الحاسوب يمثل نافذة تعليمية مهمة؟

لقد تم تنفيذ هذه الفكرة من خلال شعار حاسوب أو تابليت لكل طفل وقد طبق هذا البرنامج على وجه الخصوص في بعض البلدان مثل إثيوبيا وذلك منذ سنة 2008. لقد قال لنا أصحاب هذه النظرية أن الطفل تعلم عبر الحاسوب بسرعة أكبر مما يتعلم مع المدرس. بعد مرور عدة أعوام اتضح أن تجربة «حاسوب لكل طفل» كانت كارثة حقيقية. فالأطفال يستخدمون هذه الأجهزة في اللعب ومشاهدة أفلام الفيديو أكثر مما استخدموها في التعلم والاستفادة من الموسوعات التعليمية وهو ما تسبب في تراجع نتائجهم الدراسية.

‭{‬ في الحياة العملية تحرص الكثير من العائلات في بداية السنة الدراسية على تزويد أبنائهم بهواتف ذكية حتى يسهل التواصل معهم. فما رأيك في هذه المسألة؟

أتساءل عما إذا كان هذا الطفل في الثانية عشرة من عمره في حاجة حقيقية إلى هاتف نقال. لا أنصح بذلك. يمكن لأولياء الأمور الاكتفاء بهاتف بسيط لا يحتوي على أي تقنية رقمية متطورة، فذلك سيفي بالضرورة ويحمي الأطفال من أخطار الهواتف الذكية. فقد أجمعت مختلف الدراسات العلمية على الأضرار التي قد تنجم عن استخدام الهواتف الرقمية على النمو الفكري والذهني للطفل. 

لا تذكر أي من هذه الدراسات العلمية المحكمة بالمقابلة أن الأطفال الذين لا يستخدمون الهواتف الذكية والمنتجات الرقمية المتطورة يعانون من مشاكل أكبر في النمو الفكري والعاطفي والاندماج الاجتماعي والنجاح والفشل المدرسي واضطرابات النوم والمضاعفات النفسية.

من أكبر المشاكل التي تواجه هذه المنتجات الرقمية أن الطفل يبني عالما افتراضيا يتقوقع فيه كما أنه قد ينقل ما قد يراه من ظواهر سلبية إلى عالمه الواقعي مثل الألعاب التي قد تشجع على إيذاء النفس والانتحار أو تنمي نوازع الجريمة في اللاوعي. لذلك جهز عديد العائلات أجهزة الحاسوب التي يستخدمها أطفالهم ببرامج للحماية والوقاية مثل برنامج «سكراتش». 

كذلك لا أعتقد أن الكمبيوتر أو أي وسائط رقمية أخرى يمكن أن تحل محل المعلم في تدريس العلوم والرياضيات واللغات وغيرها من المواد الدراسية الأخرى مثلما أن سحر الكتاب الورقي لا يمكن أن يعوضه كتاب رقمي يتوفر على شاشة الحاسوب.

 ‭{‬ هناك دول عديدة في العالم تنفذ برامج شاملة لرقمنة التعليم من أجل النهوض بمخرجاته. فهل هذه السياسات التعليمية دون فائدة على أرض الواقع بحسب رأيك؟

إن الفرق الوحيد بين أفضل النظم التعليمية في العالم لا يعود إلى مدى إدماج أحدث الوسائل التعليمية الرقمية في العملية التعليمية بقدر ما يعود إلى صلابة تكوين المدرسين. قبل بضعة أعوام أجرت وزارة التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية دراستين لقياس مدى تأثير البرمجيات الرقمية في تعليم الرياضيات واللغة الانجليزية وكانت النتيجة صفرا، ما جعل الكثير من علماء التربية يعيدون النظر في أساليب التربية في أطروحاتهم ومفاهيمهم. 

أظهرت نتائج دراسة علمية أكاديمية أخرى في الولايات المتحدة الأمريكية أن المدرسين الذين يتلقون تدريسا إضافيا لمدة خمسين ساعة يستطيعون تحسين مستوى تلاميذهم بنسبة تصل إلى 20%. هذه النتائج أكدتها عديد الدراسات العلمية الأخرى التي لا تعتبر أن التقنية الرقمية تلعب دورا حاسما في النهوض بمستوى النظم التعليمية. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news