العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

شرق و غرب

تحديات استخدام التقنية الرقمية

بقلم: غيوم غراليه

الثلاثاء ٠٨ أكتوبر ٢٠١٩ - 10:52

 

للمرة الأولى ينجح عالم في الخروج بخلاصة أكثر من ألف وخمسمائة كتاب ودراسة مختصة من مختلف أنحاء العالم تركز على إبراز الآثار النفسية والعصبية والعاطفية والجسدية التي قد تنجم عن استهلاكنا للشبكة العنكبوتية – الإنترنت – وكل ما يمت بصلة لوسائل التواصل الاجتماعي والتقنية الرقمية بصفة عامة. من شأن نتائج هذه الدراسة العالمية الشاملة أن تثير مخاوف وقلق أقطاب سيليكون فالي، معقل الصناعة الرقمية في الولايات المتحدة وكبرى الشركات الأخرى في العالم. 

اعتبر بعض النقاد أن هذه الدراسة قد أسقطت شجرة التوت عن التكنولوجيا الرقمية التي تظل مع ذلك تحافظ على جاذبيتها وجوانبها الايجابية التي تسهل حياة الانسان في العصر الحديث. لا شك أيضا أن شبكة الإنترنت باتت تمثل أداة لا غنى عنها في التواصل ونافذة رائعة تتوافر للفرد من أجل الاطلالة على العالم والنهل من معين المعرفة العلمية والانسانية بمختلف مدارسها كما أنها تمثل الأداة التي قربت المسافات وحولت العالم الفسيح إلى قرية صغيرة. 

وبالمقابل، فإن الشبكة العنكبوتية قد تحولت أيضا إلى أداة لامتصاص الانتباه وتفاقم المشاكل الناجمة عن الانهيارات العصبية والمشاكل النفسية، إضافة إلى جرائم التحرش والاحتيال السيبراني وانتهاك الخصوصيات والشعور بالوحدة. تأتي هذه التحذيرات حتى من العلماء الذين لعبوا دورا رياديا في الاكتشافات المذهلة في عالم التقنية الرقمية. 

يقول آزا راسكين، وهو شخصية معروفة في عالم التقنية في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم: «سنواصل إجراء بحوثنا لكن يجب أن يفهم الناس هذه الرسالة المهمة التي نرسلها لهم بخصوص التقنية الرقمية التي اجتاحت العالم».

آزا راسكين هم ابن خبير التقنية الرقمية وتكنولوجيا المعلومات جيفري والذي أسهم في تصميم حواسيب ماكنتوش. يحمل آزا راسكين درجة الدكتوراه في العلوم الفيزيائية كما أنه المسؤول عن تحديث محرك فايرفوكس وقد أسهم بالكثير من الابتكارات والبرمجيات الحاسوبية. 

عقب الزلزال المدمر الذي هز جمهورية هايتي وأوقع الآلاف من الضحايا ما بين قتلى وجرحى لم يتوان آزا راسكين عن تقديم يد العون لصديقه جوشوا روزسن، المدير الفني لفيلم «صناعة الذكاء» وقد صمم برنامجا مبتكرا يجمع ما بين المعلوماتية الجيولوجية والطبية وذلك لمساعدة المنظمات غير الحكومية على مد يد العون لضحايا الزلازل والكوارث الطبيعية وإغاثة المنكوبين. 

رغم كل هذه الابتكارات العلمية التي أسهم بها في عالم التقنية الرقمية التي تشهد طفرات مذهلة في مختلف مناحي حياتنا اليومية فإنه يقول لنا اليوم في لحظة الصراحة والحقيقة: 

«لقد فرضت التكنولوجيا نفسها حتى باتت تغمر حياتنا. فالتقنية الرقمية تكاد تكون حتى في الهواء الذي نتنفسه. أما المشكلة الأكثر خطورة فهي أن هذه التقنية قد تفقد الانسان جانبا من إنسانيته. نحن نجلس في مكاتبنا ومعاملنا في سيليكون فالي وننسى أحيانا أننا نتحكم في حياة مئات الملايين من البشر في مختلف أنحاء العالم». 

يعتبر هذا العالم أن هذا الوضع الذي قد تترتب عنه عواقب وخيمة يمثل خيانة للأهداف الحقيقية التي قامت من أجلها تكنولوجيا المعلومات. يمضي هذا العالم قائلا: «لقد أصبحت التقنية الرقمية كل مناحي حياتنا اليومية حتى كدنا نتنفسها مع الهواء. تتمثل المشكلة الأكثر خطورة في أن التكنولوجيا الرقمية قد تتوغل مستقبلا في أدق تفاصيل حياة الانسان حتى تفقده جانبا من إنسانيته». 

هذا الكلام لا يعني العودة بالانسانية إلى الوراء خمسين سنة، إلى ما قبل انبلاج عصر الحاسوب. فشبكة الإنترنت هي التي تتيح للانسان النهل من معين المعرفة والاطلاع على ما يدور في العالم في الزمن الواقعي والوصول إلى أشهر المكتبات في العالم. 

هذا الكلام لا يعني أيضا التخلي عن التقنية الرقمية، هذه الأداة العجيبة التي تمكننا من ترميم أشهر الأعمال الفنية المهددة بالتلاشي وإحياء أعمال فنية أخرى من خلال تقنية الأبعاد الثلاثية. هذا الكلام يعني باختصار إعطاء معنى ومغزى للتقدم الهائل الذي يحدث في الشبكة العنكبوتية بما يضمن التقليل من جوانبها الايجابية. 

يجب ألا نلقي كل أمراضنا ومعضلاتنا ومآسينا على التقنية الرقمية، غير أن هذه الأداة الفائقة التطور تتحمل جانبا من المشاكل والأمراض والمآسي التي تحدث في حياة المجتمعات والأفراد. 

يقول: «إن قلة التركيز الذهني والتحرش بمختلف أنواعه والمشاكل النفسية والانهيارات العصبية التي قد تقود إلى الانتحار، والفيديوهات الحقيقية والمفبركة والأخبار والصور المفبركة كلها مشاكل مختلفة غير أنها ناجمة كلها عن تنامي تأثير شبكة الإنترنت ومختلف أدواتها الرقمية». 

«لقد ناضل والدي كي يصبح الحاسوب قادرا على التأليف الموسيقي. أما اليوم فإن الكمبيوتر يقدم لمستخدمه الايجابيات والسلبيات أيضا. إن الطفرات المذهلة التي تحققها اليوم صناعة الذكاء الاصطناعي تزيد من غموض الخيط الرفيع الفاصل ما بين الواقعي واللا واقعي. هذا تلاعب خطير بعقول البشر وهو ما يجب أن ننبه إليه ونحذر من عواقبه الوخيمة. قد يأتي يوم تصلك فيه رسالة صوتية من شخص لا تعرفه بالمرة ولا تربطهم به أي صلة غير أنه استطاع أن يفبرك الرسالة الصوتية بمحاكاة صوت شخص مألوف لك مثل أبيك أو أمك. هنا تكمن الخطورة الحقيقية». 

يقول آزا راسكن: «إن أغلب الخدمات المقدمة للمستخدمين على الشبكة العنكبوتية مجانية. إن الطريقة الوحيدة التي تحصل بها هذه الشركات الكبرى على مقابل تمر عبر مراقبة سلوكياتنا وميولاتنا ومن ثم بيعها للشركات والمؤسسات العالمية المختصة في الدعاية والإعلان من أجل تحليلها ومعرفة الاتجاهات الاستهلاكية. يمكن القول إن شركة كبرى مختصة في التقنية الرقمية وتكنولوجيا المعلومات تعرف عنا أكثر مما تعرفه عنا وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. مثلما أن القانون يمنع الطبيب من الارتباط بعلاقة غرامية مع المريض فإنه يجب وضع قوانين صارمة لمنع هذه الشركة من استغلال بياناتنا. فقد استنبطت هذه الشركات أساليب ترمي إلى شد انتباهنا والتلاعب بأذهاننا من دون أن ندري».

غيوم شاسلو خبير آخر معروف في سليكون فالي وقد انضم إلى المهندسين المختصين، الذين يحذرون من العواقب الوخيمة للادمان على الانترنت وبقية أدوات التواصل الاجتماعي، ناهيك عن أنه ابتكر العديد من البرمجيات من خلال عمله في واحدة من أكبر الشركات التي تنشط في سيليكون فالي بالولايات المتحدة الأمريكية. 

يحمل المهندس الفرنسي شاسلو شهادة علمية رفيعة في مجال تخصصه في الذكاء الصناعي وقد أسهم في ابتكار العديد من البرمجيات التي يحذرنا منها اليوم ويقول إنها تساعد الشركات العملاقة على التلاعب بعقول المستخدمين. 

عمل هذا الخبير في شركة مايكروسوفت في كامبردج لعدة أعوام قبل أن يقرر سنة 2010 الالتحاق بشركة جوجل العملاقة في سليكون فالي بالولايات المتحدة الأمريكية. يقول متحدثا عن عمله: «أنا أعمل ضمن فريق يضم خمسة وأربعين خبيرا ونحن نعكف على ابتكار خوارزميات جديدة للتحكم والتعليم... بعض هذه البرمجيات والخوارزميات يلعب دورا تعليميا بحتا. أما البعض الآخر فهو ينطوي على عدة أمور قد تكون لها عواقب وخيمة».

«عندما يجلس طفلك إلى الحاسوب ويستخدم اليوتيوب فإنه يكون في حقيقية الأمر في مواجهة تقنية رقمية خفية تقوم على الذكاء الاصطناعي الذي يتابع كل حركة يقوم بها ويدفعه للبقاء أمام شاشة الكمبيوتر أطول وقت ممكن. هذه الخوارزميات هي التي ترصد المحتوى الذي يفضله الكبار والصغار وتقوم بتحليلها كي يدرج بعد ذلك في قاعدة بيانات تستخدم في أغراض شتى. بناء على تحديد طبيعة المواد المفضلة تعمل الشركات على التركيز على تكثيف هذا المحتوى المفضل بحسب الشرائح العمرية».

يقول هذا الخبير الفرنسي إن عدد مشاهدات الفيديوهات على اليوتيوب تصل إلى ما معدله مليار مشاهدة يوميا علما أن قرابة من 70% من هذه الفيديوهات تتوافر على أساس توصيات برمجيات الخوارزميات. تستعين هذه الشركات التي تنشط في هذا المجال الرقمي ومختلف وسائل التواصل الاجتماعية والشبكة العنكبوتية -الإنترنت – بالخبراء المختصين في مجال علم نفس السلوك وذلك من أجل تطوير برمجيات ترمي إلى شد الانتباه وإثارة الاهتمام وتحديد المحتوى المفضل من أجل «التلاعب بالعقول».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news