العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

«بغداد حرة حرة.. وإيران تطلع بره»

بقلم: د. نبيل العسومي

الثلاثاء ٠٨ أكتوبر ٢٠١٩ - 01:00

مثلما كان متوقعا ومثلما حدث خلال السنوات العشر الماضية شهد العراق الشقيق موجة جديدة من الاضطرابات التي تحولت إلى مواجهات دامية راح ضحيتها العشرات من أبناء القطر العراقي الشقيق من المواطنين المسالمين.

إن هذه الانتفاضة الشعبية العراقية ليست جديدة فقد بدأت منذ سنوات متخذة الشكل الشعبي العفوي بعيدا عن سيطرة الأحزاب والأيديولوجيات السياسية أو الطائفية بل قامت منذ البداية على أساس شعبي صرف عكست حالة الفراق بين القوى السياسية الحزبية المتمكنة من السلطة وبين أفراد الشعب العراقي الذين يأسوا من الوعود الكاذبة ومن تغير أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية حيث يعاني المجتمع العراقي منذ سقوط النظام السابق إلى اليوم من أوضاع سيئة وانقطاع الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء وتدهور أوضاع الصحة والتعليم والطرق والجسور وغيرها هذا إضافة إلى توقف عملية التنمية وتكدس الشباب من العاطلين عن العمل في ظل عدم وجود وظائف لهم.

وقد اتسمت موجة الاضطرابات الأخيرة بثلاثة مسميات من حيث أسبابها وشعاراتها التي تنادي بها:

الأول: الطابع المعيشي الخدمي لأغلب الدوافع التي تقف وراء هذه الانتفاضة العارمة التي شملت كل المناطق حتى المناطق التي تعد المعقل الرئيسي للأحزاب الحاكمة المؤثرة في الحياة السياسية بعد عام 2003 ما ينفي عنها الطابع الطائفي مثلما حرص البعض على تصنيفها على هذا النحو الخاطئ فأغلب الشباب العراقي الذي ثار في بغداد والبصرة والنجف والعمارة وغيرها من المناطق والمدن العراقية كانوا يطالبون بالحصول على وظائف وفرص الحياة الكريمة تتناسب مع ما يملكه العراق من ثروات هائلة لا يرى منها هذا الشباب شيئا، كما أن هذا الأمر ارتبط مباشرة بالمطالبات القديمة المتجددة والمرتبطة بسوء وضعف الخدمات العامة في هذا البلد العربي الشقيق الذي يمتلك ثروة مائية هائلة ولكن الماء لا يصل إلى البيت ويمتلك ثروة نفطية كبيرة ولكن الكهرباء لا تصل إلى البيت إلا في ساعات محدودة جدا في اليوم الواحد.

هذا الوضع لم يتغير منذ عام 2003 وحتى اليوم ولم يشهد أي تحسن حقيقي رغم تعدد الحكومات ورغم الشعارات الحزبية العديدة التي تعهد أصحابها وأحزابها بحل هذه المشكلات المتراكمة عبر السنين.

الثاني: إن هذه الانتفاضة الشعبية قد هالها حجم الفساد الكبير الذي يعاني منه المجتمع السياسي العراقي حيث ظهرت بعد عام 2003 طبقة كاملة من الحزبيين السياسيين ورجال الدين الذين امتلكوا ثروات هائلة بعد أن كانوا فقراء لا يمتلكون شيئا أصبحوا رجال أعمال ومن ذوي المشاريع والحسابات الضخمة بعد أن كان الساسة في المرحلة السابقة لا يمتلكون شيئا غير رواتبهم وكان الفساد في العهد السابق مدعاه للاستبعاد من السلطة وربما بالتحول إلى المحكمة وربما أيضا بالحكم بالإعدام فجاء الزمن الذي أصبح فيه السياسيون والحزبيون ورجال الدين الذين يمتلكون الثروات الهائلة على حساب الشعب العراقي الذي زادت فيه نسبة الفقر لتصل إلى حوالي 70% ولذلك فإن أغلب الشعارات التي تأتي ثانيا في الترتيب هي شعارات القضاء على الفساد لأنه المصدر الرئيسي لافتقار الشعب العراقي وتدميره وهو أمر تشهد به العديد من الشخصيات بما في ذلك بعض المرجعيات الدينية وبعض رجال السياسة والإعلام الذين يتابعون هذا الوضع البائس في العراق الذي لا يبدو أنه يمتلك القوة للضرب بيد من حديد على الفاسدين.

الثالث: الشعارات المعادية لإيران بمظاهرات العراق والذي لم ينجح حظر التجول في الحد منها أو إيقافها يعكس بشكل واضح وجلي تذمرا متزايدا بين الأوساط الشعبية العراقية من تزايد النفوذ الإيراني في حياة شعب هذا البلد العربي الشقيق الذي أصبحت فيه إيران تحتل موقع السيطرة على الحياة السياسية وحتى الاقتصادية وقد استمعنا جميعا خلال الأيام الماضية إلى شعارات تنتشر بشكل واسع يرددها المتظاهرون في بغداد وغيرها من المدن العراقية «بغداد حرة حرة وإيران تطلع بره» فأغلب تعليقات المتظاهرين والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي كانت على هذا النحو المعادي لإيران لتؤكد أمرين:

الأول: أن إيران تهيمن وتسيطر على المقدرات العراقية الاقتصادية وبالتالي فهي جزء من عمليات الافساد الممنهجة التي يتعرض لها العراق.

الثاني: إن إيران هي من يدعم هذه الأحزاب السياسية الحاكمة وتمنحها شرعية ومباركة وحتى قدسية وهذا ما يفسر وقوف الساسة الإيرانيين من أعلى مستوى ضد هذه الانتفاضة الشعبية والتنديد بها وتوجيه اتهامات لا علاقة لها بالواقع بل وتضمنت بعض خطب الجمعة تهديدا ووعيدا وتحذيرا للمتظاهرين بدلا من الوقوف مع هذه المطالب المشروعة من شعب مضطهد وجائع والتنديد باستخدام أدوات القمع والقتل ضد المتظاهرين السلميين.

إن ما حدث في العراق هذه المرة لا يختلف كثيرا عما حدث في المرات السابقة لسبب بسيط وهو أن العراق منذ الاحتلال الأمريكي في عام 2003 وسيطرة المليشيات والأحزاب الطائفية على السلطة فيه لم يتغير الوضع فيه سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الأمني فأوضاع الناس في العراق تسير من سيء إلى أسوأ وهذا ما يبرر هذه الاحتجاجات خصوصا وأن العناصر الأساسية للتنمية شبه متوقفة وأن الخدمات الأساسية في أدنى مستوياتها فالعراق قبل عام 2003 رغم الحرب والحصار الخانق والعقوبات كانت أوضاعه الاقتصادية والتنموية والاجتماعية أفضل بكثير وكان الفساد يكاد يكون منعدما ولعل هذا ما جعل بعض العراقيين يتمنون عودة النظام السابق بعيدا عن شعارات وأفكار أحزابهم المعادية لذلك النظام. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news