العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

أزمة تعصف بالديمقراطية الأمريكية

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ٠٨ أكتوبر ٢٠١٩ - 01:00

    لست أدري ما هو الوصف الذي يمكن أن أستخدمه في التعبير عن الأزمة الحالية التي تمر بها الساحة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية لكن تحضرني عدة عبارات وأوصاف. هل نحن عند نقطة تحول أم نقف على حافة الهاوية أما هل ترانا نجلس على فوهة بركان يوشك أن ينفجر؟! يمكن أن تختاروا ما شئتم من هذه العبارات والأوصاف ويمكن أن تختاروها كلها لأننا نجدنا اليوم في مكان لم نعهده أبدا من قبل وهو مكان بالغ الخطورة. 

    لم تبدأ المشكلة يوم انتخب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية كما أنها لم تبدأ يوم أطلق الديمقراطيون إجراءات عزل الرئيس دونالد ترامب. فقد ظلت الأزمة تكبر وتتفاقم مثل الورم السرطاني في الجسم السياسي على مدى قرابة 25 سنة. تجلت علامات هذا الورم السرطاني في تدني الخطاب السياسي وإنكار كامل لشرعية الطرف الآخر. لم يكن دونالد ترامب السبب وراء ظهور هذه الأزمة بقدر ما كان نتاجا لها. 

    عندما تولى نيوت جنجريش رئاسة مجلس النواب الأمريكي سنة 1995، وعلى عكس بقية القادة الجمهوريين الذين سبقوه، فقد أطلق حملة مشينة من أجل تقويض الجهود التي كان يبذلها الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون ومن ثم تدميره بأتم معنى الكلمة. أطلق الكونجرس بدوره سلسلة من التحقيقات التي اتهم من خلالها بيل كلينتون بكل شيء، من الفساد إلى عرقلة مسار العدالة مع الايحاء بأنه قد يكون يخطط لاغتيال كل من يعارض رئاسته. 

    في نهاية الأمر استقر رأيهم على اتهام بيل كلينتون بالكذب وأرادوا أن يتخذوا من علاقة نسائية محرجة أساسا للبدء في إجراءات عزله من منصبه. لقد اتضح من خلال تلك المشكلة المشينة والمقرفة مدى كراهية هذا الجيل الجديد من الجمهوريين لبيل كلينتون في تلك الفترة. لم يكن الأمر يتعلق بالسياسة بل إن المسألة كانت شخصية صرفة. فهم لم يكونوا يسعون إلى إفشال مشروع قانون تشريعي تقدم به بل إنهم لم يكونوا يعتبرونه أساسا رئيسا شرعيا للولايات المتحدة الأمريكية فناصبوه العداء وأقروا العزم على تدميره. 

    خلال تلك المواجهة التي تواصلت حتى الانتخابات التي أجريت سنة 2000 أصدرت المحكمة العليا قرارها باعتبار جورج بوش الابن الرئيس الجديد الذي سيدخل البيت الأبيض ويقود الولايات المتحدة الأمريكية. في تلك الفترة أجرى أخي جون زغبي استطلاعا للرأي سأل من خلاله الناخبين الديمقراطيين والجمهوريين على حد السواء عما إذا كان سيعتبرون أن الرئيس الجديد الذي سيفوز في الانتخابات سيكون في نظرهم «رئيسا شرعيا». 

    أفرز ذلك الاستطلاع نتائج مقلقة. فرغم أن المرشح الديمقراطي قد فاز في الانتخابات الشعبية ورغم أن النتيجة النهائية لم تكن قد تحددت رسميا إلا أن أغلبية كبيرة من الجمهوريين قالوا إنهم لن يقبلوا بآل غور رئيسا شرعيا للولايات المتحدة الأمريكية. أما الأغلبية الديمقراطية فقد اعتبرت على العكس من ذلك أنه إذا أُعلن عن فوز جورج بوش في الانتخابات الرئاسية فإنها ستقبل به وتحترم النتيجة النهائية. 

على عكس بيل كلينتون فإن جورج بوش لم يواجه أي معارضة من مجلس الشيوخ الذي كان يسيطر عليه الديمقراطيون، فقد وافقوا على قراره بخفض الضرائب وأبدوا مرونة وقبلوا بالحلول الوسط بشأن الكثير من المبادرات كما أنهم اصطفوا مع إدارة جورج بوش عقب تعرض الولايات المتحدة الأمريكية لهجمات 11 سبتمبر 2001 وأعطوه الضوء الأخضر من أجل شن الحرب وخولوه سلطات غير مسبوقة بعيدا عن أي رقابة داخلية.

لم يكن الديمقراطيون هم الذي أغرقوا رئاسة جورج بوش بل إن ذلك كان ناجما عن حربه الفاشلة في العراق وسوء إدارة فترة ما بعد إعصار كاترينا، إضافة إلى الانهيار المالي والاقتصادي الذي حدث سنة 2008. 

بعد مرور بضعة أسابيع على تنصيب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية صعد الجمهوريون من انتقاداتهم وبدأوا يعملون على تقويض رئاسته والتشكيك في شرعية رئاسته للولايات المتحدة الأمريكية. فقد أعلن القادة الجمهوريون، الذين كانوا يمثلون الأقلية في مجلسي النواب والشيوخ أنهم لاينوون التعاون مع الرئيس باراك أوباما وأنهم يريدون «الإطاحة به» من خلال تمويل وإنشاء جماعات من خارج الحزب، مثل حزب الشاي و«حركة الأمريكيين المولودين في الولايات المتحدة». 

لم يسبق أبدا لأي قادة من كلا الحزبين أن أطلقوا مثل هذه الحملة الشاملة الضارية لمعرفة ما إذا كان الرئيس أوباما مواطنا أمريكيا. لقد تركت تلك الجهود التي بذلها الجمهوريون أثرها العميق. فقد أظهرت نتائج الاستطلاع الذي أجري في تلك الحقبة أن أكثر من 60% من الجمهوريين يعتقدون أن باراك أوباما لم يولد في الولايات المتحدة الأمريكية وهم بذلك لا يعتبرونه رئيسا شرعيا للولايات المتحدة الأمريكية، كما أن نفس النسبة من الجمهوريين اعتبرت أن باراك أوباما مسلم، وأنه قد كذب بشأن ديانته المسيحية. 

لم تتعرض فترة رئاسة باراك أوباما إلى أي اتهامات أو تلحق به أي أخطاء غير أن وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون وجدت نفسها مستهدفة من اللجان الجمهورية في الكونجرس الأمريكي والتي اتهمتها بإخفاء وحذف مراسلاتها على بريدها الإلكتروني الخاص وإخفاء الأمر عن المحققين. 

أخضعت هيلاري كلينتون للاستجواب على مدى ساعات في الكونجرس الذي اتهمها بالفشل في حماية السفير الأمريكي في ليبيا والتسبب في مقتله. قد نعتبر أن التحقيق بشأن رسائل البريد الإلكتروني كان يعكس مخاوف حقيقية ومشروعة غير أن الأمر لم يخل من نزعة لتصفية الحسابات. فقد أظهر الكونجرس كراهية كبيرة لهيلاري كلينتون وقد اتهمها بالتسبب في مقتل السفير الأمريكي في ليبيا. في الحقيقة فقد كان الهدف من كل ذلك تضييق الخناق على هيلاري كلينتون والإمعان في إذلالها وملاحقتها والحط من خدماتها. 

لقد تجلى تدني الخطاب وقلة الاحترام في حملة الانتخابات الرئاسية التي أجريت سنة 2016 وأدت إلى انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية. 

خلال الانتخابات التمهيدية أمعن دونالد ترامب في الحط من قيمة خصومه وراح ينتقد وسائل الإعلام ويشتم المحاكم ويعزف على وتر المخاوف التي تنبع كراهية الأجانب وراح يحرض خصومه من أجل استخدام العنف ضد المتظاهرين حتى إن البعض قد اعتبر أنه «غير جدير بالرئاسة وغير جدير بأن يفوز في الانتخابات». 

لم يدركوا آنذاك أن بئر السياسة قد أصبح مسموما إلى درجة أن الجمهوريين قد أصبحوا يتغذون من هذا الخطاب السياسي المقيت والذي يقوم على كراهية الآخر والتحريض ضده. استمر الأمر على مدى عقدين من الزمان وهي فترة تركت أثرها العميق على الحياة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية. فالخطاب الذي خلقه الجمهوريون خلال فترة التسعينيات من القرن العشرين قد كبر وترعرع وها هو يلتهم اليوم الجمهوريين أنفسهم. 

إن أولئك الذين كانوا يعتقدون أن ترامب سيلبس جبة الرئاسة ويتصرف كرئيس لدى دخوله المكتب البيضاوي اكتشفوا سريعا أنهم أخطأوا في تقديرهم ولم يصيبوا في توقعاتهم. لقد برهن على مهاراته في التهريج على شاكلة دون ريكلس أو رودني دنجرفيلد. لقد خدمه ذلك الأسلوب في حملته الانتخابية وهو ما جعله يلزم نفس الخط ويسير وفق ذات النهج وأبى أن يغير ويتغير. بل إنه زاد في منسوب التمثيل والتهريج. 

لقد دخل الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض قبل عامين ونيف وقد كانت هذه الفترة الماضية بالغة الصعوبة. فقد قام بخفض الضرائب وألغى الكثير من القوانين المنظمة للاقتصاد وعين القضاة المحافظين وأسهم في إطلاق العنان للأجنحة المحافظة والدينية كما حرص على «الترفيه» عن أنصاره وحشدهم.

تسبب ترامب في تهييج تلك الجماعات التي توجد على أطراف قاعدته الانتخابية والتي تؤمن بتفوق العرق الأبيض والتي تحركها نوازع العنصرية وكراهية الأجانب ومناصبتهم العداء. لقد أصبحت سلطات إنفاذ القانون تعتبر أن الخطر الأكبر الذي يتهدد الأمن القومي الأمريكي لا يأتي من الحركات الأجنبية المتطرفة وإنما يأتي من المتطرفين الذين يعيشون بين ظهرانينا في داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. 

في الوقت نفسه برهن الرئيس دونالد ترامب عن ازدرائه للكونجرس وسيادة القانون، وهو ما جعل بعض الديمقراطيين يطالبون بعزله. فقد أقال المسؤولين الذي تولوا إجراء التحقيقات مع أعضاء من إدارته ورفض التعاون مع الطلبات المشروعة الصادرة عن الكونجرس الأمريكي بشأن تصرفاته في موقع المسؤولية في البيت الأبيض وقلة الشفافية التي تحوم حول الأرباح التي يجنيها من أعماله خلال فترة توليه لمقاليد الرئاسة وانتهاكاته المتكررة لأذونات الميزانية التي وافق عليها الكونجرس وتخصيص الأموال من أجل تنفيذ مشاريعه المثيرة للجدل، وغيرها من الأمور والمسائل التي أثارت الجدل. 

 

في كل مرة لم يتوان دونالد ترامب عن الرد بالشتائم والسخرية والتهكم والازدراء كما أنه ظل يطعن في شرعية كل من يعارضه مثل الكونجرس والشرطة الفيدرالية الأمريكية ووسائل الإعلام وحتى المحاكم. ظل ترامب يستخدم تويتر والتجمعات التي ينظمها من أجل التعبير عن موقفه وتأجيج مشاعر أنصاره. في بعض الأحيان أعطى الرئيس ترامب الانطباع بأنه كان يتحدى الديمقراطيين كي يبدأوا باتخاذ الإجراءات الأولى لعزله. 

في ظل هذه التطورات بدأت القاعدة الانتخابية للحزب الديمقراطي تنادي بدورها بعزل الرئيس دونالد ترامب فيما ظلت قيادة الحزب مترددة في الإقدام على هذه الخطوة.، خوفا من أن يكون الأمر يتعلق بجب أعده لهم دونالد ترامب نفسه لهم حتى يسقطوا فيه ومن ثم حشد أنصاره وتعبئتهم أكثر من أي وقت مضى. 

صدر تقرير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «السي آي إيه» وقد جاء فيه أن الرئيس ترامب حاول أن يدفع الحكومة الأوكرانية إلى فتح تحقيق حول المرشح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية بما يخدم مصالحه الانتخابية كما ذكر التقرير بالدليل أن الرئيس ترامب أوقف المساعدات عن أوكرانيا من أجل الضغط عليها كي تنفذ طلبه. بعد صدور هذا التقرير بدأت دفة الأمور تتغير ولم تجد قيادة الحزب الديمقراطي بدا من بدء إجراءات عزل دونالد ترامب. 

في ظل هذه التطورات راح دونالد ترامب يصب جام غضبه ويزيد من حدة تعليقاته على حسابه على تويتر كما صدم الجميع بتصرفاته التي لا تليق بمنصبه بحضور الرئيس الفنلندي وهو ما أوضح أمورا كثيرة. 

في بداية الأسبوع الماضي، نشر ترامب على حسابه على موقع الانترنت تعليقاً صادرا عن أحد الواعظين اليمينيين يقول فيه إنه إذا ما عزل من منصبه فإن ذلك قد يتسبب في نشوب حرب أهلية – وقد فهم الأمر على أنه توقع أو تهديد وأنا أعتقد أنه يجب أن يؤخذ على محمل الجد. فالطريقة التي تصرف بها دونالد ترامب لا تختلف في شيء عما يفعله حاكم دكتاتوري في مثل هذه المواقف. 

لقد أظهر ترامب قوة وغضبا على خصومه كما أنه سيسعى إلى تحريك أنصاره وقاعدته الانتخابية وهو ما قد يؤدي إلى أعمال الخوف، لذلك فإن المخاوف حقيقية. بل إنني أخشى أنه في حالة هزيمته في انتخابات 2020 فإنه قد لا يقبل بالنتيجة وقد يفعل الكثير من أنصاره وناخبيه ذلك أيضا. 

لست أدري ما الوصف المناسب الذي يجب أن أستخدمه في الحديث عن هذه الأزمة الخانقة التي تعصف اليوم بنظامنا الديمقراطي لكن كل ما أعرفه أنها أزمة حقيقية تعصف بالولايات المتحدة الأمريكية.

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news