العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

دراسات

الأهمية الاستراتيجية لحرب أكتوبر 1973 في تاريخ العرب

بقلم: عبدالـمالك سالـمان

الأحد ٠٦ أكتوبر ٢٠١٩ - 01:00

كثيرا ما يسأل البعض لماذا الإصرار على التذكير بحرب أكتوبر في تاريخ العرب رغم مرور 46 عاما على تلك الحرب، ورغم حدوث كثير من المتغيرات العسكرية والاستراتيجية والسياسية التي غيَّرت من الوقائع التي أفرزتها نتائج حرب أكتوبر 1973؟

وللإجابة عن ذلك نقول بكل وضوح وبإيجاز شديد: إن حرب أكتوبر 1973 ستظل ذات أهمية استراتيجية كبرى للعرب سواء في تاريخهم المعاصر أو من أجل مستقبلهم المرجو والمأمول؟

ولكي نفهم هذه الأهمية الاستراتيجية الكبرى لذلك النصر المؤزر الذي صنعه العرب بتلاحمهم وتكاتفهم غير المسبوق لعله من المهم تسليط الأضواء على النقاط والمحاور الآتية:

أولا: إن حرب أكتوبر كانت تعبيرا صادقا وحيا وواقعيا عن إرادة رفض الهزيمة والاستسلام بعد هزيمة 1967 واستنهاض مقومات ومقدرات أمة عريقة هي الأمة العربية على الصمود والتحدي وصنع إرادة النصر من جديد في حرب أكتوبر 1973.

وهذه المعاني ليست كلمات معنوية أو إنشائية ولكنها تعبير عن قيم استراتيجية وفكر سياسي قويم وسديد.

ويكفي أن نشير إلى أنه حين حلت الهزيمة العسكرية الساحقة بالقوات العربية على ثلاث جبهات من جانب إسرائيل، هي الجبهة المصرية والجبهة السورية والجبهة الأردنية عام 1967، حيث تم احتلال كل من شبه جزيرة سيناء المصرية والضفة الغربية في فلسطين التي كانت تخضع لإدارة الأردن وتم بذلك استكمال احتلال إسرائيل لكامل أراضي فلسطين التاريخية، وأيضا احتلال مرتفعات هضبة الجولان السورية، وذلك خلال حرب قصيرة امتدت فقط 6 أيام.

في ذلك الوقت أعلن وزير الحرب الصهيوني الجنرال موشيه دايان أنه كان يجلس في مكتبه في وزارة «الدفاع» الإسرائيلية في تل أبيب منتظرا مكالمة هاتفية من القادة العرب، وخاصة الزعيم العربي الكبير جمال عبدالناصر ليخبره فيها باستسلام العرب، لكن بالطبع خاب ظن موشيه دايان، ولم تحدث هذه المكالمة الهاتفية على الإطلاق.

وعلى النقيض من ذلك، حدثت حالة انتفاضة عربية عارمة برفض الهزيمة والإصرار على الصمود والعمل على إعادة بناء مقومات القوة العربية، وكان الإعلان السياسي المباشر لذلك، بقرارات القمة العربية الطارئة في العاصمة السودانية الخرطوم التي أعلنت أنه رغم مرارة الهزيمة العسكرية في حرب 5 يونيو 1967 فإن العرب يعلنون لاءاتهم الثلاثة الشهيرة وهي: «لا تفاوض  ولا اعتراف ولا صلح » مع إسرائيل.

ويمكن القول إن قرارات قمة الخرطوم كانت بداية انتفاضة العرب لرفض الهزيمة وخاصة بعد أن شهدت قمة الخرطوم مصالحات سياسية عربية أنهت الخلافات بين القادة والزعماء العرب منها الخلافات بين الزعيمين الكبيرين  جمال عبدالناصر والملك فيصل بن عبدالعزيز وخاصة بشأن حرب اليمن، وجرى الاتفاق على برنامج شامل للاستعداد لمعركة استرداد  الكرامة العربية، تمثل في دعم الدول العربية جميعا لدول المواجهة وهي مصر وسوريا والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية ولبنان في مواجهة العدوان الإسرائيلي، وخاصة الدعم المالي من الدول العربية النفظية وفي طليعتها السعودية ودول الخليج العربي بهدف إزالة آثار العدوان وتحرير الأراضي العربية المحتلة.

ويمكن القول إن قرارات قمة الخرطوم وما تلاها من إجراءات وسياسات لدعم الصمود العربي كانت إعلانا تاريخيا لإرادة أمة ترفض الهزيمة وتؤكد قدرتها على الصمود والتحدي، وهذه من أهم مقومات الأمم الحضارية الحيّة ذات التاريخ العريق، القادرة باستمرار على تجديد طاقاتها على النهوض الحضاري مجددا في أحلك الظروف.

وهو معنى استراتيجي يتعين أن يتذكره العرب دائما وخاصة في مراحل التراجع والتفكك وضعف التضامن العربي، وما أحرانا بتذكره وخاصة في الوقت الحاضر لمواجهة تحديات ومحاولات تفكيك الأمة العربية التي تجري فصولها في أكثر من ساحة عربية.

لهذا نقول إن إرادة الصمود ورفض الهزيمة بعد حرب 1967 كانت أحد المفاتيح الاستراتيجية لقيام العرب  بعد ذلك بشن حرب أكتوبر 1973 بعد 6 سنوات فقط بهدف استعادة الكرامة وتحقيق النصر، بعد أن ظن قادة إسرائيل كما أعلن قادتهم السياسيون والعسكريون أن العرب لن تقوم لهم قائمة قبل مرور 50 عاما على هزيمة 1967، أو هكذا توقعوا ولكن خابت ظنونهم والحمد لله.

ثانيا: إنه لم يكن للعرب أن يحققوا انتصارهم الكبير بالمعنى الاستراتيجي والسياسي في حرب أكتوبر 1973 من دون توافر روح التضامن العربي،  وقد تجسد ذلك عبر تكامل وتضافر كل قدراتهم العسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية من أجل معركة الشرف واسترداد الكرامة، وهو ما ظهر جليا خلال مجريات حرب أكتوبر وقبلها في عمليات الاستعداد الجماعي لها.

وقد أشرنا توًّا إلى الدعم المالي الذي قدمته الدول العربية الثرية والنفطية لدول المواجهة لتقوم بإعادة تسليح نفسها وبناء قواتها المسلحة من جديد وتمويل صفقات الأسلحة لتحقيق هدف بناء قوات عربية قادرة على خوض معركة تحرير الأرض.

يضاف إلى ذلك أن عددا من الدول العربية أرسلت بعد حرب 1967 مباشرة ألوية وكتائب عسكرية رابضت على خطوط المواجهة مع إسرائيل، منها قوات سودانية وعراقية وكويتية على الجبهتين المصرية والسورية، وبعد اندلاع المعارك في حرب أكتوبر 1973 أسهمت دول أخرى بقوات مسلحة مدرعة وميكانيكية بالإضافة إلى أسراب جوية في الحرب، منها ليبيا والجزائر والمغرب وتونس والسعودية، أي أن الدعم لم يكن ماليا فقط ولكن كان أيضا بالجنود والعتاد العسكري والقوات المقاتلة في ميدان الحرب.

يضاف إلى ذلك القرار التاريخي للدول العربية النفطية بقيادة السعودية والملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- بالمسارعة إلى خفض إنتاج النفط العربي ومنع تصديره إلى الدول المجاهرة بدعمها لإسرائيل خلال حرب أكتوبر 1973؛ لممارسة الضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي المحتلة، وتبرز هنا المقولة التاريخية للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الملقب بـ«حكيم العرب»- رحمه الله- حين قال: «إن النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي»، وذلك تأكيدا لروح التضامن العربي في معركة الكرامة خلال حرب 1973.

ثالثا: ضرورة الاعتماد على الأسلوب العلمي والتخطيط الاستراتيجي المحكم لتحقيق الانتصار، فنحن نعيش منذ فجر القرن العشرين في عصر العلم والتكنولوجيا، وخاصة منذ بزوغ عصر الثورة الصناعية في النصف الثاني من القرن العشرين، ولا سبيل لنا كأمة عربية إلى النهوض وكسب المعارك الحضارية الكبرى إلا باعتماد العلم سلاحا ونهجا في الحياة، ليس عبر الشعارات ولكن عبر السياسات الواقعية والميدانية والتطبيق الفعلي.

ولهذا، سيظل مخيبا للآمال أن نقرأ باستمرار عن تدني الميزانيات التي تخصصها الدول العربية سنويا لأغراض البحث العلمي والتي تبدو أرقاما هزيلة للغاية مقارنة بالدول المتقدمة والصناعية الكبرى في العالم، فضلا عن المقارنة بإسرائيل نفسها.

ففي عام 1973 توافر لدى إسرائيل 2400 عالم في مجالات العلوم والهندسة التطبيقية وتكنولوجيا المعلومات، وفي عام 1990 وصل العدد إلى 25 ألف عالم، وفي أواخر التسعينيات كان هناك 135 عالما لكل 10 آلاف إسرائيلي في مقابل عالم واحد لكل 100 ألف عربي.

وتشير إحصاءات حديثة إلى أن الباحثين الإسرائيليين نشروا نحو 139 ألف بحث محكم في دوريات علمية، بينما نشرت الدول العربية مجتمعة رقما قريبا من إسرائيل وحدها وهو 140 ألف بحث، مع الإشارة إلى أن جودة ونوعية الأبحاث الإسرائيلية أعلى بكثير من الأبحاث العربية كما تشير إلى ذلك مراكز البحوث العالمية، وفي حين سجلت إسرائيل نحو 17 ألف براءة اختراع، فإن الدول العربية لم تتجاوز 836 براءة اختراع، وتلك أرقام مذهلة ومفزعة ويجب على العرب مراجعة واقعهم العلمي سريعا حتى لا تزداد الفجوة العلمية والتكنولوجية بين العرب وإسرائيل في السنوات المقبلة.

إن أهمية التذكير بذلك تعود إلى أن العرب حين استعدوا لحرب أكتوبر 1973 أدركوا ضرورة الاعتماد على العلم في الاستعداد للمعركة، ولهذا تم الاعتماد على خريجي الجامعات ليكونوا هم القاعدة الأساسية للمقاتلين ليكونوا قادرين على التعامل مع الأسلحة الحديثة واستيعابها، وخاصة أنه في تلك الفترة كانت قد بدأت تظهر معالم الحروب الحديثة ممثلة في الحرب الإلكترونية والتي تحتاج إلى جندي مقاتل مؤهل علميا للتعامل مع هذه التحديات العلمية والتكنولوجية والمعرفية.

ومن هنا، كان للجندي العربي المتعلم تعليما رفيعا دور بارز في تحقيق نصر أكتوبر وقدرته العالية على المناورة خلال المعارك والاستخدام الكفء للأسلحة، وهو الأمر الذي اعترف به قادة إسرائيل، إذ أكدوا أن الجندي العربي، وخاصة المقاتل المصري وقدراته القتالية، كان المفاجأة الكبرى في حرب أكتوبر 1973.

رابعا: أهمية الخداع الاستراتيجي في الحروب، يقولون دائما إن «الحرب خدعة»، وهو أمر يلعب دورا كبيرا في تغليب كفة طرف على الطرف الآخر في المواجهات والمعارك العسكرية، ذلك أن الطرف الذي ينجح في تحقيق ما يسمى في العلوم العسكرية بمفهوم «المفاجأة الاستراتيجية» أي القدرة على المباغتة بشن الهجوم من دون أن يكون الطرف الآخر مستعدا للحرب أو المواجهة غالبا ما ينجح الطرف المهاجم في قلب موازين المعركة لصالحه حتى لو كان ذا قدرات عسكرية أقل وتحقيق الانتصار في نهاية المطاف.

وفي حرب أكتوبر 1973 احترم القادة العسكريون والاستراتيجيون العرب أهمية فكر التخطيط الاستراتيجي، والعمل على تحقيق مبدأ «الخداع الاستراتيجي» وتحقيق «المفاجأة الاستراتيجية» في بدء الحرب.

وكان ذلك ضروريا ليس فقط لامتلاك زمام المبادرة في الحرب، ولكن أيضا من منظور استراتيجي، ذلك أن قدرة العرب على المبادرة بالهجوم ستكون عاملا مهما في تحقيق النصر، وذلك في ضوء عاملين مهمين:

الأول: هو اختلال موازين القوى العسكرية بين القوات العربية والقوات الإسرائيلية؛ ففي حين لم يكن الغرب -وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية- يبخل بأي شيء لتحقيق مفهوم «التفوق الاستراتيجي» لإسرائيل في نوعية السلاح المتقدم الذي يتم تزويدها به، وهو مبدأ مستمر حتى يومنا هذا؛ إذ كانت إسرائيل ومازالت تحصل باستمرار على أحدث الأسلحة التكنولوجية في الترسانات العسكرية والغربية وخاصة الأمريكية، وأحيانا حتى قبل حلف شمال الأطلسي «الناتو» ذاته.

في حين أن الدول العربية على الجهة المقابلة كانت تحصل على أسلحة أقل تكنولوجيا من الأسلحة المتوافرة لدى إسرائيل، وذلك لأن الاتحاد السوفيتي الذي كان المصدر الرئيسي لأسلحة مصر وسوريا كانت له حساباته الاستراتيجية والكونية، وهو لم يكن يريد لحلفائه العرب أن يقوموا بشن حرب خارج حساباته في صراعه مع المعسكر الغربي وخاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك كان هناك اعتقاد لدىالسوفييت أن العرب طالما لا يمتلكون أسلحة متقدمة أو مقاربة لأسلحة إسرائيل فلن يتهوروا بشن الحرب خوفا من الوقوع في براثن الهزيمة مجددا كما حدث في عام 1967.

من هنا كانت أهمية الخداع الاستراتيجي والإيحاء بعدم القدرة على شن الحرب وعدم الاستعداد الجدي لخوضها من جانب مصر وسوريا ، حتى إذا ما تم شن الحرب كانت إسرائيل غير مستعدة للتصدي لها؛ ما يمكن العرب من تحقيق التفوق في ميدان المعركة.

ويتأكد ذلك من معرفة العامل الثاني لأهمية الخداع الاستراتيجي وهو أن إسرائيل تعتمد بالأساس على تعبئة قوات الاحتياط عند الدخول في المعارك، فلو تأكد لإسرائيل أن العرب سوف يشنون حربا لقامت باستدعاء قوات الاحتياط وهي العمود الفقري للجيش الصهيوني ، و من ثم،  الاستعداد الكامل للحرب.

 ولكن عدم القدرة على التنبؤ بموعد ساعة الصفر التي سيشن العرب فيها الحرب ساعد مصر وسوريا  على تحقيق المفاجأة الاستراتيجية وتحقيق التفوق العسكري خلال الأيام الأولى للحرب قبل أن تتدخل أمريكا بجسر جوي عسكري غير مسبوق لإمداد إسرائيل بأحدث الأسلحة والطائرات خوفا من إنزال هزيمة ساحقة بإسرائيل.

لقد نجحت خطة الخداع الاستراتيجي من مصر وسوريا  في إخفاء موعد الحرب وبقيت خطة الحرب في أيدي مجموعة قليلة من قادة القوات على الجبهتين، حتى أن نسخة الإعداد للحرب كان يحتفظ بها اللواء محمد عبدالغني الجمسي رئيس هيئة عمليات الجيش المصري خلال الحرب في كشكول صغير لا يفارقه أطلقوا عليه «كشكول الجمسي» مكتوب بخط اليد، وكان متاحا فقط لقادة الأسلحة الرئيسية الاطلاع على مهامهم وفق ما جاء فيه.

وفي سياق ذلك، تم اختيار يوم كان إجازة عامة في داخل إسرائيل هو «يوم كيبور» أو يوم عيد الغفران وهو عيد ديني يحتفل به اليهود في إسرائيل ولا يميلون لأداء أي أشغال في ذلك اليوم، كذلك من أسرار الإعداد للحرب استخدام لغة غير معروفة للإسرائيليين هي اللغة النوبية، وهي لغة محلية منطوقة وليست مكتوبة، في إصدار الإشارات العسكرية، وهو ما لم يمكن الإسرائيليين من إدراك أو تفسير معنى تلك الأوامر وظل ذلك ضمن الأسرار التي لا يعرفها سوى أشخاص قليلين على الجبهة المصرية.

ولذلك، تضافرت عوامل متعددة في إنجاح خطة الخداع الاستراتيجي التي أدت إلى أن تكون حرب أكتوبر بمثابة «زلزال» ضرب عمق إسرائيل وأدى إلى انهيار كبار قادة وجنرالات إسرائيل، حتى أن  الجنرال موشيه دايان وزير الحرب الصهيوني انهار باكيا في أول اجتماع لمجلس الوزراء وتوقع هزيمة ساحقة لإسرائيل، بعد أن كان يختال غرورا وغطرسة بعد حرب 1967، وكان يراهن على استسلام العرب، ولكنه تلقى درسا مريرا في حرب أكتوبر 1973 وانهارت معه صورة الجنرال الأسطوري وجيشه الذي لا يقهر.

خامسا: أكدت حرب أكتوبر 1973 الأهمية الاستراتيجية الكبرى لإنشاء صناعة سلاح عربية متقدمة، وذلك بعد أن عانى العرب في الحصول على أسلحة متقدمة من أجل خوض معركة تحرير الأرض.

وفي هذا السياق، تحدث الرئيس أنور السادات الذي أصدر قرار الحرب، بالمشاركة مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، أكثر من مرة عن أنه واجه صعوبات كثيرة في إقناع القادة السوفييت بتزويد الجيش المصري بالأسلحة الضرورية والمتقدمة اللازمة لخوض الحرب، كما كان السوفييت يقومون بتأخير إيصال صفقات الأسلحة التي يتم الاتفاق عليها معهم، وهو الأمر الذي أثر سلبا في القدرة على تحقيق التفوق الساحق في الحرب في عدد من المعارك، وخاصة أن الجانب الأمريكي  كان يزود إسرائيل بأحدث الأسلحة بلا قيود.

على الجانب الآخر، حين ننظر إلى القوى العالمية المنتجة لأحدث الأسلحة التكنولوجية فسوف نجد معظمها من الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا، وهذه الدول لم ولن تزود الدول العربية بأي أسلحة تحقق لها التفوق أو حتى التكافؤ الاستراتيجي مع إسرائيل لأنها تدعم نظرية «المحافظة على التفوق الاستراتيجي لإسرائيل على العرب» ضمانا لبقاء إسرائيل.

لقد استوعب العرب فعلا هذا الدرس بعد حرب أكتوبر، واتفقوا على إنشاء «الهيئة العربية للتصنيع الحربي» في مصر بمساعدة وتمويل دول خليجية، وكان هذا المشروع مبشرا بإمكانية تعزيز قدرات العرب على إقامة صناعة سلاح عصرية متطورة باعتبارها إحدى ركائز حماية الأمن القومي العربي، لكن هذا المشروع لم يستمر طويلا في السبعينيات بعد اندلاع خلافات سياسية في الساحة العربية، وخاصة بشأن مشاريع التسوية السياسية بين العرب وإسرائيل، ولم يتم إحياء مشروع «هيئة التصنيع الحربي العربية» حتى يومنا هذا.

لكن من المهم العودة مجددا إلى إحياء هذا المشروع بأي صيغة جديدة والاستفادة من التجربة السابقة والبناء عليها، فتصنيع السلاح العربي هو بداية الطريق لتحقيق الاستقلال في القرار السياسي العربي، ولذلك قالوا قديما: «لا يملك قراره من لا يستطيع توفير غذائه وصنع سلاحه».

وما أحوجنا اليوم في أمة العرب إلى تأمل ذلك مجددا، والعمل بروح جديدة لتحقيق مقومات استقلال القرار العربي وحماية الأمن القومي العربي.

يتبقى أن نشير إلى أن الدول لا تنتصر في معاركها المصيرية الكبرى من دون إعداد للشعوب وتهيئة لها لمواجهة التحديات والاستعداد للحرب وتبعاتها ومخاطرها، وهو ما تحقق في سنوات ما بعد حرب 1967، إذ كانت حرب الاستنزاف بمثابة إعداد مزدوج للمقاتل في ميدان المعركة لاستعادة الثقة في قدراته القتالية، وتهيئة الشعب في الوقت ذاته لما تتطلبه جهود الاستعداد للحرب.

وفي هذا السياق، كانت حملة المساهمة في المجهود العربي والتبرع لذلك حتى بأقل الإمكانيات إحدى المبادرات التي جعلت الشعب على استعداد للتضحية ولو بجزء من قوت يومه في سبيل أن يرى اليوم الذي تندلع فيه الحرب لاسترداد الأرض والكرامة، ولهذا كانت الشعوب العربية تنتظر بفارغ الصبر يوم النصر وكانت وحدة الجبهة الداخلية خلف القوات المسلحة مفتاحا جوهريا في تحقيق الانتصار.

ولقد لعبت وسائل الإعلام دورا محوريا في تهيئة الجماهير العربية للإبقاء على زخم الصمود والتحدي والاستعداد للمعركة، حين تم رفع شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، الذي أصبح بمثابة عقيدة فكرية لدى الجماهير، الأمر الذي قاد في نهاية المطاف إلى أن تكون الشعوب العربية كلها في حالة استنفار، ومستعدة للتضحية بالغالي والنفيس في سبيل نصرة الأمة وخوض الحرب وتحقيق الانتصار.

لهذا لا بد أن تكون هناك مصارحة بين القيادة والشعب عند خوض المعارك الكبرى، ولا شك أننا اليوم بحاجة إلى مشروع قومي استراتيجي كبير يعيد روح التضامن العربي ويستنفر الطاقات العربية من أجل نهضة حضارية كبرى تمكننا من حماية الأمن القومي العربي من ناحية، والولوج بكل عنفوان إلى اقتحام معارك التطور التكنولوجي والتقدم العلمي والنهوض الحضاري؛ لأن تلك هي المفاتيح التي ستمكن أمة العرب من القدرة على مواجهة تحديات هذا العصر المتسارعة ، والمشاركة بفاعلية في ركاب الأمم الناهضة والمتقدمة. ولعل استلهام «روح حرب أكتوبر» وما حفلت به من تضحيات ورغبة في الإيثار والعمل الجماعي سيظل نبراسا لكل الأجيال العربية التي تتطلع إلى مستقبل أكثر استقلالية ورفعة وكرامة لأمتنا العربية في عصر التحولات الاستراتيجية والتكنولوجية المتسارعة والمذهلة.

 

 

 

 

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news