العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

آثار التطورات التكنولوجية المعاصرة على الإنتاجية في دول مجلس التعاون الخليجي (3-3)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون {

السبت ٠٥ أكتوبر ٢٠١٩ - 01:00

قبل الحديث عن كيفية استثمار الوفورات التي تحققها التطورات التكنولوجية الراهنة في رفع إنتاجية المواطن الخليجي، وتجاوز كبوته المزمنة، لا بد من الإشارة الى ان مشكلة انخفاض الانتاجية في دول مجلس التعاون الخليجي تتعدى أسبابها الجانب الاقتصادي والتقني وبالتالي فإن وضع الحلول لها، ينبغي ان يعالج جميع أبعادها في وقت واحد، وفي إطار ما يسمى «العلاج بالصدمة» أي العلاج بحزمة متكاملة من الإجراءات في وقت واحد، وفي مقدمتها ما عرضنا له في المقالة السابقة من توصيات وردت في الدراسة المعمقة حول سبل النهوض بإنتاجية المواطن الخليجي، والتي تم إعدادها من قبل فريق متخصص بإشراف الهيئة الاستشارية للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون الخليجي عام 2016، فهي مازالت مهمة جدا ووضعت يدها على الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية لمعالجة أسباب المشكلة من ناحية، ومن ناحية ثانية لا بد من إعادة هيكلة وتوصيف القطاع الحكومي الذي يكاد يكون مستوعبا الحجم الأكبر من العمالة المواطنة وتغذيته بالموارد البشرية الشابة المؤهلة تأهيلا علميا وتقنيا وتخصصيا مطابقا لتوصيف الوظيفة ومهامها وباعتماد احدث المنتجات التكنولوجية المعاصرة، بعيدا عن أساليب التوظيف التي تحابي شخص الموظف وليس كفاءته، وعُدَّ معيار القدرة على الابتكار والإبداع في الأداء والتطوير المتواصل وتحقيق قيمة مضافة متنامية معيارا أساسيا لاستمراره في العمل، كما هو الحال في القطاع الخاص في الشركات العالمية المعروفة، وفي الوقت نفسه تعميم هذا المعيار للتوظيف على القطاع الوطني، وليس فرض التوظيف الاجتماعي للمواطنين لمجرد مواجهة شبح البطالة، إنما ربط المعيار الاجتماعي بمعيار الكفاءة والإنتاجية، وتوفير البيئة الملائمة القائمة على المستحدثات التكنولوجية في النهوض بإنتاجية المواطن. وهنا يأتي دور المؤسسات التعليمية والتدريبية في ضرورة مواكبة تخصصاتها لمتطلبات سوق العمل الحالية والمستقبلية، ومغادرة التخصصات التي تضيق دائرة الحاجة إلى مخرجاتها. ولا سيما أن من نتائج التطورات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية ان أصبحنا امام جيل من الشباب ذكورًا وإناثًا، لا يطيقون فترة انتظار طويلة، بين التخرج في المعهد او الجامعة وتسلم العمل، لذا لا بد من إعدادهم اكاديميا ومهنيا في نفس الوقت عبر تخصيص حصص كافية للتدريب في المختبرات والورش الجامعية، وميدانيا في المنشآت الانتاجية والخدمية المناظرة لتخصصاتهم، وان يمتد التدريب الميداني الى أعضاء هيئات التدريس ليطلعوا على التقنيات المعتمدة في تلك المنشآت ويسعوا الى محاكاتها في المقررات الدراسية الجامعية، وهو ما يتطلب تعشيق ومأسسة العلاقة بين الجامعة والمنشآت الإنتاجية والخدمية في البيئة المحيطة بالجامعة، حتى يتم تجسير الفجوة بين ما تقدمه الجامعة من تعليم ومهارات، وبين طبيعة وأنشطة منشآت الأعمال المعاصرة، فللتعليم دور بالغ الأهمية في تعزيز النمو الاقتصادي الشامل وزيادة الإنتاج وتعظيم الإنتاجية وصنع مستقبل زاهر تُتاح فيه الفرص للجميع، وهو ما يجعل إصلاح التعليم والتعلم المستمر ومبادرات إعادة تشكيل المهارات أمورًا أساسية لضمان مواكبة واستيعاب مستحدثات الثورة الصناعية الرابعة، وما نجم عنها من تطورات تكنولوجية متسارعة تنبئ بعالم جديد تحركه الابتكارات والتقنيات الجديدة واعتماد نظم الرقمنة في مختلف المجالات، التي تؤدي الى تحولات متواصلة في جميع قطاعات الاقتصاد عن طريق إدخال نماذج عمل جديدة، ومنتجات جديدة، وخدمات جديدة، وطرق وأساليب جديدة لخلق القيمة المضافة العالية وتوفير فرص العمل النوعي المستند إلى الذكاء الاصطناعي، ومعدات الإنتاج المتقدمة، والروبوتات والأتمتة الجزئية أو الكلية للمصنع، والمعتمدة على تقنية المعلومات والاتصالات المتقدمة (ICT)، والتي ينجم عنها ضغوطً جديدة على أسواق العمل، تؤدي إلى خفض الطلب على المهام الوظيفية التقليدية بشكل كبير، وتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة ذات القاعدة التقنية العالية، ورفع الإنتاجية، وتحسين كفاءة قطاعي الأعمال الخاص والعام بغية الحفاظ على قدراتهم النسبية والارتقاء بها أو رفدها بقدرات تنافسية مناسبة لعالم العمل الجديد، وأن تتاح للشركات إمكانية الحصول على المواهب التي تحتاج إليها من أجل وظائف المستقبل.

ووفقًا لما أشار إليه تقرير مستقبل الوظائف، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2018م، فإنه من المتوقع أن يتم إلغاء نحو (75) مليون وظيفة تقليدية بحلول عام 2022م في (20) دولة من الدول الصناعية الكبيرة والناشئة، وفي الوقت نفسه، يمكن للتطورات التكنولوجية المعاصرة وطرق وهندسة العمل الجديدة خلق نحو (133) مليون وظيفة جديدة ذات إنتاجية فائقة، مدفوعة في ذلك بالنمو الكبير في المنتجات والخدمات الجديدة التي ستتيح للناس استخدام الآلات والخوارزميات لتلبية متطلبات التحولات الديموغرافية والتغيرات الاقتصادية والبيئية المحتملة. وبالنسبة الى دول مجلس التعاون الخليجي التي تسعى جاهدة للحاق بركب التقدم الصناعي ومواكبة الثورة التكنولوجية المعاصرة، وحتى تتمكن من الانضمام الى نادي الدول التي أشار إليها تقرير مستقبل الوظائف، ينبغي ان توفر مستلزمات توسع قطاع الأعمال في شقيه العام والخاص في الأنشطة ذات التكنولوجيا الحديثة، واستخدام التقنيات الرقمية، في قطاعات جديدة، كالإلكترونيات، والهندسة البيولوجية، والاتصالات، والخدمات المالية والمصرفية، والخدمات اللوجستية وغيرها من القطاعات، ومن ثم خلق فرص عمل ذات إنتاجية عالية ومستويات أجور مرتفعة، وبعودة سريعة الى رؤى دول المجلس نجد أنها جميعا قد أشارت إلى ذلك، ولا سيما الرؤية الاقتصادية لمملكة البحرين 2030 م.

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news