العدد : ١٥١٨٧ - الثلاثاء ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٧ - الثلاثاء ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

تأملات إيمانية في آيات القرآن الكريم
«وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ» (1)

الجمعة ٠٤ أكتوبر ٢٠١٩ - 10:17

بقلم: د. محمد عطا مدني

يقول المولى جل وعلا: «وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ» (النمل: 88)، مشهد فريد في نوعه وتركيبه، وصورة متحركة من صور القرآن الكريم الرائعة عند تمثلها والتأمل فيها، ينبه فيها المولى جل وعلا الإنسان إلى مشهد لا يدركه بالعين المجردة، وإنما يمكن إدراكه بعين البصيرة عند تركيز التفكير في هذه الصورة الموحية.

وقد ذهب بعض المفسرين الأوائل إلى أن المقصود من هذه الآية الكريمة هو وجه الشبه في الحركة بين الجبال والسحاب، فكما تحرك الرياح السحاب تتحرك الجبال مع حركة الأرض. وذكر بعضهم أن هذا يحدث يوم القيامة؛ أي بزوال الجبال عن أماكنها، أي عندما يكون الكون في نهايته، ولكن المتأمل في بقية الآية الكريمة في قوله تعالى: «صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ» يتضح له أن هذه الآية لم تتعلق بالهدم ونهاية العالم، وإنما تعبر عن استمرار البناء والإبداع المستمر لخلق الله المحكم. ولعلنا نفكر في الحكمة من تشبيه حركة الجبال بحركة السحاب، لأنه لا شيء يأتي عبثا في آيات القرآن الكريم من دون قصد إلهي، ما يجعلنا نحاول استقراء الآية للتعمق في فهم مدلولاتها، من خلال إدراك مواصفات كل من الجبال والسحاب، وقد ساعد التطور في علوم الجيولوجيا والمناخ على فهم الكثير من إيحاءات القرآن الكريم في هذا الشأن، فعرفنا أن هناك أوجه شبه كثيرة بين الجبال والسحاب رغم اختلاف البنية والتكوين المادي لكل منهما، فلئن كان السحاب كتلا هوائية من الغلاف الغازي للأرض، محمولة في شكل قطع تحركها كتل الرياح الناتجة عن الفرق في الضغط والكثافة في جو الأرض بين منطقة وأخرى، فإن الجبال أيضا عبارة عن كتل من الغلاف الصخري للأرض، محمولة على صفائح تحركها تيارات الحمل الحراري الناتجة عن فارق الضغط والكثافة بين مستويات باطن الأرض المصطرعة بالحمم النارية الموجودة في باطنها.. هذا فيما يخص الشكل؛ أما عن الحركة فكما أن السحاب يبدأ نشاطه بحركة رأسية ناتجة عن تبخر مياه البحار والمحيطات مكونة كتلا هوائية دافئة صاعدة إلى الأجواء العليا، ثم تتحرك أفقيا أمام دفع الرياح لها، فكذلك الجبال تنشأ من حركة عمودية نتيجة الضغوط الجانبية لطبقات القشرة الأرضية، فتحدث الالتواءات (Folding) أو الصدوع (Faulting)، إذ تؤدى حركات الالتواء إلى تقوس بعض طبقات القشرة الأرضية فترتفع إلى أعلى مكونة الجبال الالتوائية مثل جبال (الهملايا) في آسيا وجبال (الألب) في أوروبا، أما التصدعات والانكسارات فتسبب نشوء الجبال الانكسارية مثل جبال (سيرانيفادا) في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن تدفق الحمم من بين شقوق الانكسارات يؤدى إلى ظهور المرتفعات البركانية مثل هضبة الحبشة. وقد أشار القرآن الكريم إلى حركة ألواح وصدوع الأرض، واعتبرها من صفاتها الأساسية، في قوله تعالى: «والأرض ذات الصدع» (الطارق: 12)، وكأن المقصود من هذه الآية الكريمة «وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ» هو توجيه أنظارنا إلى حركة الجبال، تلك الحركة التي لا نحسها إلا بقياسات علمية دقيقة، نظرا إلى عظمة بنيان الجبال وطول أعمارها وبطء حركتها، فنحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب، وقد شبهت حركتها بحركة السحاب الذي نراه، لكي نعكف على دراسة حركة الجبال التي لا نحسها ولا نراها.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news