العدد : ١٥١٨٧ - الثلاثاء ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٧ - الثلاثاء ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (94)

الجمعة ٠٤ أكتوبر ٢٠١٩ - 10:16

بقلم: د. غريب جمعة

مع الإمام في ديوانه: خواطر الحياة

جمع الإمام ما نظمه من قصائد ومقطعات شعرية بناء على طلب محبيه واستمع إليه وهو يقول في ذلك:

«ولم يلم بخاطري في يوم أن أجمع ما نظمته وأخرجه للناس حتى اقترح عليَّ طائفة من إخواني الفضلاء أن أجمعه من أوراقه المتفرقة وأصدره إلى عالم الأدب صفحات متتالية. فما وسعني إلا أن تقبلت اقتراحهم وقلت: هذا كلام موزون إن لم يجد الأديب فيه ما يروقه من لفظ أنيق ومعنى رشيق فقد يرى فيه المؤرخ أشياء تهمه أن يتعرف عليها من مصادر متعددة وعمدت إلى ما نشر في الصحف أو احتوته بعض المذكرات، وضممت بعضه إلى بعض مرتبا على حروف المعجم ومنبهاً إلى مناسبة نظم القصيدة أو المقطعة ثم عرضته على من اقترحوا عليَّ جمعه فأطلقوا عليه اسم ديوان ولقبوه بـ«خواطر الحياة» أهـ

وقد صدرت الطبعة الأولى منه بالقاهرة سنة 1366هـ (1946م) وأعيد طبعه للمرة الثانية بالقاهرة أيضاً سنة 1372هـ (1953م) عندما كان صاحبه شيخا للأزهر، وعلق عليه فضيلة الشيخ محمد علي النجار الأستاذ بكلية اللغة العربية، وطبع للمرة الثالثة عام (1978م) مع تعليقات للأستاذ الكبير علي الرضا زين العابدين وقد ذكر الأستاذ محب الدين الخطيب في مجلة الأزهر (م6 ص744): أن للشيخ ديوانا آخر بعنوان: (في الحكمة والخواطر التي تحوم حول الحق والخير) وضعه بعد استقالته من مشيخة الأزهر، ولكننا لم نجده ضمن الموسوعة الكاملة لأعماله.

ويقع ديوان خواطر الحياة في مائتين وستين صفحة ويضم مائتين وواحد من العناوين لقصيدة ومقطعة. وقد تصل بعض القصائد إلى أربعين بيتا ونادراً ما تصل إلى ثمانين بيتا أو مائة، كما في قصيدة صقر قريش. أما المقطعة فهي لا تتجاوز خمسة أو ستة أبيات إلا نادرا. وقد قدمنا لك أغراض الشعر عند الإمام وبقي أن نقدم لك قطوفا من ذلك الديوان.

- في كل شيء له آية:

هذه مقطعة نشرها ردا على الذين يشككون في خالق الكون.

يعجب الناس في الحياة وأقضي ... عجبي منك أن ضللت السبيلا

أنت ترتاب أن يدبر أمر الـ ... ـكون من جل ملكه أن يزولا

وتخال الوجود وقفا على ما ... تبصر العين بكرة وأصيلا

وكأين في الكون من آية إن ... كنت تبغي إلى اليقين وصولاً

- في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم:

وهي قصيدة رائعة ألقيت في احتفال جمعية الهداية الإسلامية بالقاهرة في ذكرى المولد النبي الشريف عام 1359هـ وقد استهلها بقوله:

أمِنْ خفقان أفئدة رقاق ... تألقت المدامع في المآقي

إلى أن يقول:

ذكرنا كيف لاح جبين طه ... وهب الفجر يؤذن بانبثاق

كأن الفجر والميلاد جاء ... لإجلاء الظلام على اتفاق

ثم يسلط الضوء على بعض الأمراض الاجتماعية في جرأة من لا يخاف في الله لومة لائم فيقول:

فأشياع الضلال اليوم صالوا ... بألسنة وأقلام حِماق

وهم ما بين إلحاد وقاح ... وإلحاد تقنع بالنفاق

كفى ما خسرنا من شباب ... رأوا سوق الخلاعة في نفاق

وما للنفس إن ركبت هواها ... وحطت في المجانة من خلاق

هي الشكوى يرددها لسان ... وما بين الجوانح في احتراق

(الوقاح: ذو الوقاحة للذكر والأنثى. نَفاق: يقال نفقت السلعة إذا كثر طلابها).

- حب الوطن:

على الرغم من اغترابه وعيشه خارج وطنه، فإنه محب له ودائم الحنين إليه لذا يقول تحت عنوان: حب الوطن:

وطني علمتني الحب الذي ... يدع القلب لدى البيْن عليلا

لا تلمني إن نأى بي قدر ... وغدا الشرق عن الغرب بديلا

عزمة قد أبرمتها همة ... وجدت للمجد في الظَّعْن سبيلا

(الظعن: السفر).

- الخلافة والانقلاب التركي:

والشيخ مع حبه لوطنه تونس ولكنه لا ينسى وطنه الإسلامي الكبير فقد عاش في اسطنبول وهي عاصمة الخلافة بعض الوقت وبلغ من المكانة ما أشرنا إليه سابقاً، حيث كُلف بالسفر إلى ألمانيا أثناء الحرب العالمية الأولى للقيام بمهمة الاتصال بالجنود المغاربة في جيوش الحلفاء ومحاولة كسبهم إلى جانب الدولة العثمانية، فكتب في الصحف وألقى المحاضرات على الجنود وفي النوادي، وتعلم اللغة الألمانية كما تعلم الكيمياء أيضاً.

ثم كان رزؤه كبيراً حينما رأى الخلافة تذبح أمام عينيه على يد مصطفى كمال أتاتورك وعصبته حيث ألغى الخلافة وأعلن الجمهورية وكان أول رئيس لها سنة 1923م ثم أعلن أن الحكومة لا دينية، إلى آخر ما عرفه الجميع في ذلك الوقت العصيب مما نقلته الأخبار وحفلت به الجرائد. (أتاتورك: أبو الأتراك) عندئذ نظم الإمام قصيدته التي تشبه زئير الأسود ونختار منها:

ما خطب قوم طالما وصلوك ... واعتز باسمك عرشهم هجروك

حرسوك أحقابا وحلق صيتهم ... في الخافقين لأنهم حرسوك

كنت الوقار على وجوه غزاتهم ... والأمن إذا نظروا بعين ضحوك

مازلت سِمط قلادة خرزاتها ... أمم بأغلى فدية تفديك

حتى تحكم فيك رهط بدلوا ... خبث الحديد بعسجد مسبوك

نكثوا بما نقضوه من لبناته ... عهد الرسول وأغضبوا أهليك

نهض الزعيم وما رعي عهد التي ... لولا اسمها ما صال صول ملوك

برح الخفاء وحاد وهو مظفر ... نشوان عن منهاجك المسلوك

ما بال قسطاس الشريعة ضاع في ... أفق السياسة ضيعة المتروك

(السِّمط: الخيط الذي ينظم فيه الخرز واللؤلؤ)

- على قبر صلاح الدين:

قصيدة نظمها عندما زار ضريح القائد المجاهد العظيم في دمشق التي كانت فيحاء (فضيقها مسيل الدماء وحطام المباني وأكوام الأشلاء) وتاريخ نظمها عام 1363هـ:

لو لم تبلغك الحياة مناكا ... لكفاك فخراً أنك قد قهرت عداكا

لك سيرة كادت تمثل للنهى ... بشرا ينافس في العلا أملاكا

ومفاخر يوم استغاث الشرق من ... خطر ألم ولم يُجِرْهُ سواكا

حتى إذا أخذ الكرى بجفوننا ... زحفوا وما لاقوا قناً كقناكا

أوما سمعت رطانة الإفرنج من ... حول الضريح تخوض في ذكراكا

أيُتاح للشرق المعذب ذائد ... يرمى فيبلغ في النضال مداكا

(القنا: الرماح)

(وإلى حلقة قادمة إن شاء الله)

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news