العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

أين الترادف (15).. «قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم..»

الجمعة ٠٤ أكتوبر ٢٠١٩ - 10:15

بقلم: عاطف الصبيحي

«... وشهد شاهد من أهلها...»

في هذه الوقفة التي تختلف عن سابقاتها بعض الشيء، حيث نتناول مفردة الشهيد والشاهد المنبثقتين من الجذر «شهد» وتميزهما يتأتى من كثرة استعمالهما في القرآن الكريم، ولرسوخهما في الثقافة الإسلامية، وتداول مدلولاتهما بشيء من الُلبس، لذا استوجب الوقوف عليهما من خلال المعنى اللغوي الذي نتخذه مُدخلا للنص القرآني، وقراءة كل منهما بحسب السياق الذي ورد فيه، محاولين بيان المعنى الذي نظن أنه صواب أو أقرب إلى الصواب.

ففي لسان العرب: يقول أبو إسحاق: الشهيد من أسماء الله الأمين في شهادته، وقال انّ الشهيد الذي«لا يغيب عن علمه شيء، وقال إن الشهيد هو الحاضر، وصيغة المبالغة «فعيل» التي صِيغت منها الشهيد للدلالة على مُطلق العلم الإلهي الذي يترتب عليه أنه شهيد مُطلق، ففي العلم المُطلق يُقال «عليم» وفي الأمور الباطنية يُقال «خبير» وفي الأمور الظاهرة يُقال «شهيد»، وكل ذلك من أبنية المبالغة، وهي وغيرها جديرة بالذات الإلهية العلية، وجمع الشهيد «شهداء»، وبما أن رب العِزة يتمتع بسمع وبصر مُطلقين بلا تجسيم ولا تشبيه فهو شهيد سمعا وبصرا على كل شيء في الأرض والسماء، ونجد من الآيات ما لا يمكن حصره في هذا المقام على إطلاق القرآن وصف الشهيد على الناس ضمن هذا السياق الدلالي.

ومن يبحث بحثا متأنيا من خلال البرامج الإلكترونية الخاصة بالقرآن يجد أنّ «الشهيد» وردت على مثل هذه الحالة، «... ويكون الرسول عليكم شهيدا...» (143- البقرة)، بمعنى حضور شخص الرسول الكامل «بحواسه ليكون عليكم شهيدا... واستشهدوا شهيدين من رجالكم...» (282- البقرة)، وهذا في أطول آية قرآنية مخصصة للدَّين، والتي تعني إحضار رجلين ليشهدوا على التوثيق شهادة حضورية سمعية بصرية «قل يا أهل الكتاب لِمَ تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون» (98- آل عمران)، فهل يعزُب عنه شيء من أعمال الناس؟ «ويوم نبعث من كل أُمة شهيدا عليهم من أنفسهم...» مُعايش لهم ومُعاصِر ليسمع ويُبصر أفعالهم ليؤهله ذلك لأن يكون عليهم شهيدا، وكما قلنا آنفاً من العسير جدا الاسترسال بسرد الشواهد لكثرتها، فهذا كتاب الله بين أيديكم فأقبلوا عليه لمزيد من الشواهد للتأكيد أو النفي، فلا أحد بمنأى عن الخطأ، فالخلاصة أن الشهيد يستلزم الحضور الشخصي والمعاينة السمعية البصرية للحدث. 

والهدف الذي نبتغيه هو وضع اليد على الفرق بين الشهيد والشاهد، من خلال مقارنة الآيات الكريمة، لعلّنا، أقول لعلّنا، للتأكيد على ضرورة أن يشوب القلم الخطأ والقصور، ولكن هذا ما استطعناه فقدمناه خدمةً للقرآن والإنسان التي نسأل الله تعالى أن يُفقهنا في كتابنا المكنون، والدافع الأساسي المُحرك لهذا المقال هو قول الله تعالى في سورة يوسف: «وشهد شاهد من أهلها» مع أن الحدث والعرض والرفض، كله حصل بعد أن «غلّقت الأبواب» أي ضمن دائرة مُغلقة تماما ومحصورة بين اثنين لا ثالث بينهما و«ألفيا سيدها لدى الباب» بمعنى أنه لم يكن موجودا، ومع ذلك وصفه القرآن بالشاهد، ومن هنا نبدأ، فالشاهد من نفس الجذر الذي جاءت منه مفردة الشهيد وهو «شهد» وجمعه كما في لسان العرب «أشهاد وشُهود» ويقول ابن سيد: الشاهد هو العالِم ويُبين ما علمه، وعلمه هذا لا يرتبط بالحضور بل نابع من الخبرة والمنطق والتحليل العقلي، فعندما «ألفيا سيدها» استخدم الفطنة والمنطق فقال: «... وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قُدّ من قُبُلٍ فصدقت وهو من الكاذبين» وإن كان قميصه قُدّ من دُبُر فكذبت وهو من الصادقين نجد سيدها بالنص القرآني وضع احتمالين لا ثالث لهما وأسس عليهما نتائجه، فكان شاهدا وإن لم يكن حاضرا ولم يسمع ولم ير، فهذا الفرق الجوهري بين الشهيد والشاهد، وعلى هذا المبدأ تعمل الدوائر الحكومية وخاصة الأمنية والطبية في تحديد أسباب حادثة معينة أو تحديد أسباب وفاة شخص، ويعتمد على هذه الشهادة غير الحضورية أجهزة الدولة الأُخرى مثل التحقيقات، ولنستحضر بعض الشواهد القرآنية على هذا المعنى، «وجاءوا على قميصه بدمٍ كذب قال بل سوّلت لكم أنفسكم أمرا...» (18- يوسف)، المنطق والعقل ساق سيدنا يعقوب لمعرفة أنهم كذبوا مع عدم وجوده معهم، «قال ربكم ربُّ السموات والأرض الذي فطرهُن وأنا على ذلك من الشاهدين». كيف يكون سيدنا إبراهيم عليه السلام شهد خلق السموات والأرض، وما شهد على ذلك إلا اقتناعا بقدرة ربه على الخلق والإبداع، وليس حضوراً ولا مُعاينة لحظة خلقهُنّ، فهذه شهادة وجدانية معرفية عقلية قياسية بحتة.

بناء عليه، فإن الذي قُتل في بدر هو شهيد لأنه حضر المعركة حضورياً جسدياً وكان موته فيها، والذي لم يمُت في بدر أيضاً شهيد لأنه حضرها وشارك فيها وقاتل فيها الأعداء ولكنه لم يُقتل، فخالد بن الوليد يُعتبر شهيدا على كل المعارك التي خاضها، وإن مات على فراش الموت رضي الله عنه.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news