العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

إلى أين تتجه إجراءات عزل الرئيس «ترامب»؟!

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الجمعة ٠٤ أكتوبر ٢٠١٩ - 01:00

بعد أن قرر الديمقراطيون يوم 24 سبتمبر 2019 العمل على عزل الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، أعلنت رئيسة مجلس النواب الأمريكي «نانسي بيلوسي» أن المجلس شرع رسميًا في إجراءات العزل بناءً على ادعاءات قدمها أحد المحققين بجهاز الاستخبارات، الذي كشف مضمون مكالمة هاتفية للرئيس الأمريكي مع نظيره الأوكراني، زيلينسكي، طالبه فيها بالبدء في فتح تحقيق فساد مع نائب الرئيس السابق والمرشح المحتمل للانتخابات الرئاسية لعام 2020 جو بايدن وابنه هانتر، واللذين كانت لهما أعمال ومشروعات تجارية في أوكرانيا.

    وقد اعتبرت «بيلوسي» اعتراف الرئيس الأمريكي بمطالبته الرئيس الأوكراني باتخاذ إجراءات من شأنها أن يستفيد منها سياسيًا بأنها «أمر مشين متمثل في خيانته لقسمه الذي أدلاه حينما تولى مهام منصبه، وللأمن القومي، وعليه يجب أن يحاسب، فليس هناك أحد فوق القانون».

    وردَّ البيت الأبيض بكشف نص المكالمة بين الرئيسين بعد يوم واحد من تسريبها؛ إذ أثبت البيت الأبيض صحة الإدعاءات والمخالفات المرتكبة، ولذلك استدعى المبعوث الأمريكي إلى أوكرانيا «كورت فولكر»، والذي استقال من الكونجرس لاستجوابه، وقد «اتخذ ترامب وكبار مساعديه قرارًا برفع السرية عن مضمون المكالمة وتقديم أي معلومات متاحة حول المكالمة، في ظل اعتقادهم أن هذا الأمر سيساعد الرئيس في الانتخابات الرئاسية القادمة باعتبار أنه طالب بالتحقيق في ملابسات الفساد التي يرتكبها نجل بايدن، وطالبوا بالتحقيق في الضرر الذي تسبب به بايدن لترامب منافسه في الانتخابات الرئاسية المقبلة»، وذلك حسبما يشير محلل الشؤون السياسية الأمريكية «مايكل بندر» في صحيفة وول ستريت جورنال.

     وبدوره اتهم ترامب الديمقراطيين بمحاولة تدميره، فقد غرَّد عبر حسابه على تويتر قائلا: «تم هذا اليوم إنجازات كثيرة في الأمم المتحدة، ولكن الديمقراطيين يريدون أن يدمروا ويهدموا كل شيء من خلال أخبار وتسريبات قذرة وهذا سيء للغاية لبلدنا!»، كما وصف ترامب الأسباب التي قدمها النواب الديمقراطيون لتبرير بدء إجراءات عزله بأنها «مضحكة».

     ورغم حالة الرفض التي أظهرها ترامب تجاه هذا الاتهام، ترجع مسألة التحقيق في قضية عزله إلى الديمقراطيين ودعم بعض الجمهوريين، إلا أن هناك قيودا سياسية قد تعرقل جهودهم.

 ويرى كثيرٌ من المحللين أن مسألة العزل ماضية لا رجعة فيها باعتبارها احتمالا حتميا على أساس البراهين والإثباتات القانونية البحتة لقضية التحقيق؛ إذ يرى البعض أنه «لا يمكن رفض أو تجاهل ممارسات سوء السلوك أو إساءة استخدام السلطة من باب أنها لا يوجد عليها أدلة ثابتة، مثلما حدث في تحقيق روبرت مولر في تواطؤ الرئيس الأمريكي مع روسيا للفوز بالانتخابات الرئاسية لعام 2016، وتقول محطة «سي إن إن» إنَّ «هذه المكالمة الهاتفية تجعل قضية العزل بحق الرئيس الأمريكي هي الأقوى من حيث أدلتها الثابتة، وأن استخدام المساعدات المخصصة لأوكرانيا وقدرها 400 مليون دولار كورقة سياسية من قبل ترامب في مؤامرة مع زيلينسكي للإساءة وإلحاق الضرر بمنافسه المرشح المحتمل «جو بايدن» يبرر منطق عزل ترامب؛ إذ يعتبر كما هو محدد في الدستور «رشوة» أو «مخالفة قانونية»، ومن هنا تعد هذه قضية متفردة؛ لأن الرئيس «أساء استخدام سلطة دولته من أجل تحقيق مصالحه السياسية الشخصية وليست الوطنية». 

    إن قانونية المساءلة وإجراءاتها محددة دستوريا، وأن قاضي الحكم هو الكونجرس، وليس المدعي العام أو القاضي، وهذا يعني أن تأثير القوى السياسية أكبر من قوة القانون في تحديد نجاح الإقالة.

     وفي الوقت الحالي فإن المناخ السياسي ليس جيدا بالنسبة إلى الديمقراطيين، إذ إن هناك بعض المؤشرات التي تشير إلى إمكانية تمرير عزله كمرحلة أولى؛ لأن الديمقراطيين يتمتعون بالأغلبية في مجلس النواب بحصولهم على 235 مقعدا مقابل 198 مقعدا للجمهوريين، ويتمتع مجلس النواب بسلطة عزل الرئيس في البداية قبل إحالة التهمة إلى مجلس الشيوخ، فإذا صوَّت أكثر من ثلثي أعضائه لصالح هذا الإجراء عندها يصبح العزل نافذًا وهذا مستبعد حصوله.

يقول الباحث جيفري كاباسيرفيس- في مقال نشرته صحيفة الجارديان: «إن قرار الديمقراطيين ببدء إجراءات المساءلة قد يضع البلاد في مسار لا يمكن التنبؤ بنهايته، لكن المصلحة السياسية تبدو الآن في يد نانسي بيلوسي»، ففي أعقاب تقرير مولر، نجحت بيلوسي في منع الحملة نحو المساءلة التي كان يمكن أن تقسم الديمقراطيين المعتدلين والتقدميين، ومع ذلك، فهي تترأس تجمعا موحدا على استعداد لبدء تحقيق قد يثبت أنه خطير للغاية بالنسبة إلى ترامب والجمهوريين، وهذا يعني أنه من المحتمل أن تتم إقالته من قبل مجلس النواب على الأقل. 

ويقف إلى جانب الديمقراطيين في ضرورة مساءلة ترامب بعض الجمهوريين من ذوي النفوذ، والذين عبروا عن خيبة أملهم في قضية الرئيس الأوكراني، ومنهم سناتور ولاية نبراسكا «بن ساس» - والعضو في لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ – والذي قال للصحفيين إن هناك «أشياء مقلقة حقيقية» في البيان الذي أصدره البيت الأبيض، وأيد «بن ساس» السيناتور «ميت رومني» - عضو مجلس الشيوخ عن ولاية يوتا- قائلا: «إن طلب ترامب من زعيم حكومة أجنبية التحقيق مع خصم سياسي هو أمر مقلق»، ورغم أن كلا من «بن ساس» و«ميت رومني» من المعارضين للرئيس ترامب ويرون ميزة في عزله من السلطة ليحل محله مرشح جمهوري آخر إلا أنهما لا يؤيدون المساءلة، وهذا يظهر أن قلة من الجمهوريين الآخرين يؤيدون التصويت لصالح هذه العملية في مجلس الشيوخ إذا قام بها المجلس، إلا أنهم يمثلون حالة شاذة داخل الحزب، ويرجع سبب امتعاض هؤلاء القلة إلى عرقلة ترامب للعدالة وتدميره للأعراف الاجتماعية وتعزيزه للشكوك. 

في المقابل لا يمكن التأكد من موافقة مجلس الشيوخ على الإقالة؛ حيث يسيطر عليه الجمهوريون بـ53 مقعدا مقابل 47 مقعدا للديمقراطيين، والحقيقة أنه لن يؤيد غالبية أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين عند التصويت على عزل ترامب؛ إذ إن الغالبية المطلوبة لمساءلة ترامب ومحاكمته تقتضي موافقة الثلثين، وهذا يتطلب 66 من الأعضاء، أي موافقة 19 جمهوريًا على توجيه الاتهام لرئيسهم، وهذا الأمر مستبعد.

وثمة أسباب متنوعة لولاء الجمهوريين لترامب رغم كره العديد منهم له بصفة خاصة؛ فالبعض منهم لا يرون في تصرفات ترامب ما يستدعي عزله، وهذا ما أوضحه السيناتور الجمهوري عن ولاية بنسلفانيا الأمريكية «بات تومي» قائلا: «في حين أن المحادثة الهاتفية التي تم الإشارة إليها في مذكرة البيت الأبيض والمتعلقة بالفساد الأوكراني المزعوم... كانت غير مناسبة، إلا أنها لا ترقى إلى مستوى جريمة تستوجب العزل»، كما أن ثمة سببا سياسيا رئيسيا آخر يدعم هذا الولاء؛ حيث أصبح الجمهوريون في مجلس الشيوخ يفضلون الإعراب عن ولائهم للرئيس بدلا من الولايات المتحدة، وذلك من أجل الحيلولة لمنع فوز الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وعلاوة على ذلك، فإنه وفقًا لاستطلاعات الرأي التي أجرتها جامعة كوينيبياك في الفترة ما بين 19 و23 سبتمبر 2019، أظهرت أن 37% من المصوتين المسجلين يرون ضرورة عزل ترامب، في حين قال 57% إنه لا ينبغي عزله، كما أن الجمهوريين يرون أن الديمقراطيين يستخدمون هذه الإجراءات كمكيدة انتخابية سخيفة، وهذا ما عبر عنه السناتور الجمهوري «جون باراسو» قائلا: «أنا أومن بمعني الشفافية، لكن ما أراه يحدث حقًا هو أن الديمقراطيين بدأوا يديرون آلة الغضب مرة أخرى، ويريدون مساءلة ترامب وعزله، ولكني أرى هذا الأمر بعيد المنال».

وبصرف النظر عن المقاومة الواضحة من قبل الحزب الجمهوري لقضية العزل هناك عدد من الديمقراطيين يشعرون بالقلق من أن هذه القضية قد تلحق ضررًا بالأمة الأمريكية على المدى الطويل، ما يعزز من تضاؤل فرص العزل؛ إذ تقول «لورين جامبينو» - مراسلة الشؤون السياسية بصحيفة الجارديان: «على الرغم من التأييد الواسع لدعم عملية المساءلة والعزل لا يزال العديد من الديمقراطيين غير مقتنعين بأن هذا هو أفضل مسار للعمل الصحيح لهزيمة الجمهوريين، وقد جادل البعض بأن ذلك من شأنه أن يشرذم الأمة الأمريكية في لحظة مستقطبة بشكل خاص - وقد تلحق أضرارًا طويلة الأجل بمؤسسة الرئاسة، لأن مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون من غير المرجح أن يدينه تحت أي شكل من الأشكال».

وتذهب الصحف الفرنسية إلى أن محاولة العزل قد تعزز حظوظ ترامب الانتخابية في فترة رئاسية ثانية؛ فقد لفتت صحيفة «لوموند» إلى أن «شبح العزل سوف يطغى على الانتخابات الرئاسية برمتها»، واعتبرت «لوباريزيان» أن الأمر قد يكون لصالح ترامب، بينما أشارت «لوفيغارو» إلى أن «إجراءات العزل قد تجعله يبدو وكأنه كبش فداء ما قد يعزز حظوظه» الانتخابية، ومن هنا تتأكد أن هذه الإجراءات لن يُكتب لها النجاح، بل وستزيد من حظوظه في الحصول على ولاية ثانية. 

ورغم تلك الدعوات المتزايدة لعزله فإن هناك عوائق يضعها البيت الأبيض؛ حيث واجهت «بيلوسي» معوقات في دعم مذكرات الاستدعاء في الكونغرس وتقديمها للمحاكم، كما أن التحقيق يتألف من ست لجان رئيسية تقوم بالتحقيق مع الرئيس، أضف إلى ذلك أن توقيت خطوة الديمقراطيين لعزل ترامب متأخر، وأن الحزب كان منقسما بشأنها سابقا، كما أن موقف رئيسة المجلس وزعيمة الديمقراطيين «نانسي بيلوسي» متذبذبا؛ حيث كانت من أشد المعارضين لمثل تلك الخطوة قبل تحريكها المفاجيء للقضية عقب التسريب الصوتي؛ لأن هذه الفضيحة تتعلق بالعبث بالأمن القومي وباستراتيجيات الولايات المتحدة، وهو ما حرك عددا من النواب ذوي الخلفيات العسكرية والاستخبارية تجاهها.

وأخيرا يمكننا القول: يبدو أن ترامب لن يواجه مصير العزل نظرًا إلى عدم وجود رئيس آخر في التاريخ قد عانى هذا المصير، فحينما وجه مجلس النواب اتهامات للرئيسين أندرو جونسون في 1868 وبيل كلينتون في 1998 ظلا محتفظين بمنصب الرئاسة بعد تبرئتهما في مجلس الشيوخ، ومن ثم فإن عملية العزل سوف يتم تمريرها من قبل مجلس النواب نظرا إلى هيمنة الديمقراطيين عليه، إلا أنه من غير المتوقع تمريره من قبل مجلس الشيوخ؛ حيث إن ثمة أسبابا سياسية وأيديولوجية تمنعهم من ذلك، فضلا عن تردد بعض الديمقراطيين في مجلس الشيوخ في دعم اقتراح العزل؛ لأنه قد يلحق أضرارًا انتخابية بهم في عام 2020، وفي النهاية نتوقع نجاة ترامب مثلما نجا من عدد لا يحصى من الأزمات الأخرى.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news