العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

مقالات

هل الحروب بين دول العالم قدرٌ؟

بقلم د. منصور محمد سرحان

الخميس ٠٣ أكتوبر ٢٠١٩ - 01:00

يجد الباحث في بطون الكتب والمخطوطات والوثائق التاريخية أن المجتمعات البشرية منذ أن تكونت في مختلف بقاع الأرض عملت على تأسيس ما يعرف بالدولة لتنظيم شؤون حياتها من جميع الجوانب. وقد شهدت تلك الدول منذ فجر التاريخ ولا تزال تشهد حتى يومنا هذا نزاعات وحروبا بينها يكون ضحيتها الإنسان وتدمير الأوطان.

لقد شهدت دول العالم في التاريخ القديم أي منذ بزوغ فجر الحضارات القديمة حتى التاريخ الحديث والمعاصر استمرار النزاعات والحروب بين الدول، وكأن ذلك قدرا محتوما عليها.. إلا أن النزاعات والحروب على اختلاف شدتها ودمارها هي من صنع الإنسان نفسه الذي خلقه الله ليعمر الأرض ويستفيد من خيراتها.

وكلما تقدمت الأمم تقدمت معها آلة الحرب المستخدمة وفق كل حقبة تاريخية، وسخرت العقول الذكية لابتكار أكثر الأسلحة فتكا. وقد وصلت ذروة تقدم الآلة الحربية في عصرنا هذا إلى اختراع وإنتاج الأسلحة ذات القدرة التدميرية الهائلة المتمثلة في القنابل الذرية والهيدروجينية باعتبارها الأشد فتكا وتدميرا عن غيرها من الأسلحة.

لقد عانت المجتمعات البشرية من ويلات الحروب التي دارت زمن نشوء الحضارات القديمة التي ترجع إلى خمسة آلاف سنة، كالحضارات الفارسية والاغريقية والرومانية وحضارة وادي الرافدين، حيث يتم استعباد الشعوب في الدول التي تتم السيطرة عليها من قبل المنتصر، وتنتهك حرماتهم وتسبى نساؤهم وتدمر أوطانهم. وقد أصيب بعض الملوك في تلك الحضارات بداء العظمة فأخذوا يسعون جاهدين للاستيلاء على العالم برمته، كما فعل ملوك فارس وكذلك الاسكندر الأكبر الذي تمكن من الانتصار على الإمبراطورية الفارسية وتوسع ملكه في كثير من بقاع الأرض.

استمرت ظاهرة السلب والنهب وسبي النساء وأسر الرجال منتشرة بين الدول المتحاربة، وكذلك بين القبائل والإثنيات على اختلافها واختلاف أماكن وجودها، حيث كانت القبائل الكبيرة تقوم بدور الدولة آنذاك.

وحري بالذكر أن حدة القتال وشدة النزاعات والصراعات بين الدول زادت في الفترة المعروفة بالعصور الوسطى، إذ شهدت المجتمعات البشرية أثناء تلك الفترة حروبا مأساوية أدت إلى القتل والسحق والتدمير وما إلى ذلك من صنوف التعدي على حقوق الإنسان وكرامته، إضافة إلى ما لحق بالبلدان التي اكتوت بالحرب من دمار، وبصورة خاصة أثناء الحروب الصليبية وكذلك أثناء حرب الوردتين وهي حرب أهلية حدثت في إنجلترا واستمرت ثلاثين سنة من عام 1455م حتى عام 1485 حيث حدث نزاع وقتال بين اسرتين للاستيلاء على كرسي عرش إنجلترا.

وشهدت بعض دول أوروبا منها على سبيل المثال ألمانيا وفرنسا وسويسرا والنمسا وإنجلترا وغيرها من تلك البلدان حروبا مدمرة كالحروب الدينية التي حدثت في القرنين السادس عشر والسابع عشر للميلاد والتي استمرت زهاء 130 سنة. وتؤكد بعض المصادر فظاعة تلك الحروب الدينية إذ تذكر عدد قتلاها بعدة ملايين، وأن أقل تقدير لها ثلاثة ملايين قتيل. وعلى الرغم من فظاعة تلك الحروب التي حدثت منذ فجر التاريخ حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي فإنها لا تقاس بالحروب التي شهدها العالم في القرن العشرين، وهي حروب راح ضحيتها ملايين البشر.

فقد اكتوت معظم دول أوروبا بحربين عالميتين في القرن العشرين، الأولى في الفترة من عام 1914م إلى عام 1918م، والثانية من عام 1939م إلى عام 1945م، شاركت فيها معظم دول العالم، وقتل في تلكما الحربين عشرات الملايين. وفقدت اليابان وحدها في الحرب العالمية الثانية أكثر من مائة ألف قتيل في لحظات جراء إلقاء الولايات المتحدة الأمريكية قنابل نووية على مدينتي هيروشيما وناجازاكي.

لم تكن قارة أوروبا وحدها التي تذوقت مرارة الحرب وقساوتها، بل ان تلك المرارة وصلت إلى بعض دول قارة آسيا؛ ففي خمسينيات القرن العشرين حدثت الحرب الكورية التي استمرت من عام 1950م إلى عام 1953م وراح ضحيتها قرابة المليون من القتلى من الجانبين المتحاربين كوريا الشمالية وحلفائها والولايات المتحدة وحلفائها.

وما إن وضعت الحرب الكورية أوزارها وإذا بالحرب الفيتنامية تشتعل بين الفيتناميين الشماليين تساندهم الصين وفيتنام الجنوبية تساندها الولايات المتحدة الامريكية والحلفاء التابعون لها. وقد استمرت هذه الحرب قرابة عشرين عاما، أي من عام 1955م إلى عام 1975م، وانتصرت فيها فيتنام الشمالية وراح ضحيتها مئات الآلاف من الطرفين إذ بلغ عدد قتلى الولايات المتحدة أكثر من خمسين ألفا وكانت خسائر الفيتناميين مئات الآلاف من القتلى.

وفي ستينيات القرن العشرين وبالتحديد في شهر حزيران (يونيو) من عام 1967م وقعت الحرب العربية الإسرائيليةوالتي عرفت بـ(نكسة حزيران) وتسمى في إسرائيل بحرب الأيام الستة، والتي أدت إلى خسارة العرب الكثير من الأراضي التي احتلت من قبل إسرائيل، واستشهد جمع من جنود الجيوش المصرية والسورية والأردنية.

وشهدت منطقة الخليج العربي الحرب العراقية الإيرانية التي تعرف بحرب الخليج الأولى واستمرت ثماني سنوات؛ أي من عام 1980م إلى عام 1988م، وخلفت أكثر من مليون قتيل وجريح من الطرفين، إضافة إلى تدمير اقتصاد الدولتين.

كانت حرب الخليج الثانية التي حدثت في تسعينيات القرن العشرين وأطلق عليها حرب تحرير الكويت، وعرفت أيضا بعملية درع الجزيرة التي أدت إلى تحرير دولة الكويت الشقيقة من الاحتلال العراقي لها، كانت تمثل العملية الأولى لحرب الخليج الثانية التي انتهت في 17 يناير من عام 1991م حيث بدأت مباشرة العملية الثانية من حرب الخليج الثانية التي اطلق عليها عاصفة الصحراء في 17 يناير عام 1991م وانتهت في فبراير 1991م وكانت أكثر فتكا ودمارا، وهي الحرب التي شنتها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الامريكية على العراق وأدت إلى انتصار الحلفاء مخلفة آلاف القتلى والجرحى في صفوف الجيش العراقي.

يضاف إلى تلك الحروب حرب البوسنة والهرسك التي شنها الصرب والكروات على مسلمي البوسنة والهرسك من عام 1992م إلى عام 1995م، وكذلك المجازر التي تعرض لها الروهينغا من مسلمي بورما عام 2012م نتيجة تعصب أعمى من قبل مجموعات متشددة من البوذيين، الأمر الذي يعني أن ظاهرة الحروب بين الدول لم تتوقف.

هكذا عاشت المجتمعات البشرية ومازالت تعيش ويلات الحروب المدمرة التي تزهق فيها الأرواح، وتدمر فيها الأوطان، وتفتقد تلك الدول المتحاربة نعمة الأمن والأمان، وتنتشر فيها الأوبئة والأمراض، كما تنتشر فيها الأمية فيزداد الجهل، وتصبح عمليات النزوح أو ما يعرف بنزوح اللاجئين كأنها ظاهرة طبيعية، بينما هي حرمان الإنسان من ابسط حقوقه. ويجب التفريق هنا بين الاعتداء الذي هو الإثم بعينه والدفاع عن الوطن والشرعية وهو الشرف بعينه.

ومع هذا فإن كل ما احتفظت به بقايا الآثار القديمة، وكذلك الوثائق والمخطوطات والكتب التي وثقت الحروب التي وقعت بين الدول بل حتى الجماعات والقبائل، وما نجم عنها من قتل وتدمير وتخريب، ما هو إلا غيض من فيض لما شهدته البشرية عبر آلاف السنين من اعتداءات وحروب تفاوتت في قسوتها ودمويتها. 

والسؤال الذي يجب أن يقف عنده جميع أبناء البشر في عالمنا هذا من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه وبتأمل تام هو: لماذا يقتل الإنسان أخاه الإنسان؟

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news