العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الأطعمة العضوية.. هل هي حقيقة أم خيال؟ (2-2)

بقلم: د. إسماعيل محمد المدني

الخميس ٠٣ أكتوبر ٢٠١٩ - 01:00

الادعاءات بأن الأطعمة والأغذية التي تُباع في البرادات وفي المزارع عضوية وطبيعية قد زادت خلال العقد الماضي، وتحولت إلى ظاهرة جديدة عامة انتشرت في كل دول العالم بدون استثناء، بل هذه الادعاءات تعدت مجال الأطعمة العضوية فوصلت إلى مُنتجات لا تخطر على بالك بأن تكون لها أي علاقة بمصطلح «العضوية»، مثل حافظات الأطفال، أو الأحذية الرياضية، أو ما إلى ذلك من المنتجات الاستهلاكية الأخرى. فهذه الظاهرة الجديدة تضطرك إلى الشك فعليا فيما هو عضوي، وما هو غير عضوي، وما هو حقا قد أُنتج بحسب المعايير والأنظمة التي وضعتها بعض الدول للأطعمة والزراعة العضوية، أم أنها منتجات فقط تدَّعي بأنها عضوية من أجل اتساع دائرة تسويقها حول العالم وكسب المزيد من المال.

وقد جاء هذا التوسع المشهود من قبل الكثير من الشركات في الادعاء بأن المنتج عضوي لسببٍ واحد فقط هو سرعة التسويق والتربح وجني المال السريع، مُستغلين بذلك حاجة الناس ورغبتهم الشديدة في شراء هذه المنتجات حفاظاً على أمنهم الصحي، إضافة إلى عواطفهم الجياشة لحماية بيئتهم وصيانة ثرواتها وخيراتها الطبيعية. 

ولذلك فإقبال الشعوب على شراء المنتجات العضوية، بالرغم من أنها في أغلب الأحيان أعلى سعرا، ناجم من عدة عوامل رئيسية، منها صحية ومنها بيئية. أما العامل الأول فيكمن في أن المنتجات الغذائية التي تُنتج في مزارع تقليدية تمارس يوميا الأساليب القديمة في الزراعة، قد أثْبتت فشلها في حماية صحة الناس والمحافظة عليها من الأمراض والعلل، فمعظمها سواء أكانت فواكه، أم خضراوات، أم لحوما، أم منتجات الألبان تحتوي على بقايا الملوثات الكيميائية من أسمدة ومبيدات بشتى أنواعها وأشكالها، حتى انك في بعض الأحيان تأكل فاكهة لا تشم فيها ولا تتذوق فيها إلا رائحة وطعم المبيدات والمواد الكيميائية الصناعية الأخرى. والأدهى من ذلك والأمرّ، هو أننا نأكل مواد غذائية تحتوي على هرمونات النمو، والمضادات الحيوية، أو آلاف المواد الكيميائية التي تدخل في باب المضافات الغذائية وتعديل النكهات والمذاقات، وكل هذه السموم تدخل في أجسامنا ونحن لا نعلم شيئا عن هويتها وأضرارها المزمنة علينا.  

والعامل الثاني الذي يدعو الشعوب إلى اقتناء وشراء الأغذية العضوية هو حماية البيئة والحفاظ على مواردها الطبيعية من التلوث، فالمزارع التقليدية تستخدم الأسمدة الكيميائية التي تحتوي على الفوسفور والبوتاسيوم واليوريا والأمونيا وغيرها من المواد الكيميائية الأخرى، علاوة على استخدامها كل أنواع المبيدات والهرمونات وغيرها من المضافات التي لا تعد ولا تحصى من كثرتها، وكل هذا الخليط المعقد والسام والمسرطن من المواد ينتقل مع الوقت فيصل إلى المسطحات المائية والمياه الجوفية، وفي نهاية الرحلة، فإن هذه الملوثات تدخل إلى أعضاء أجسامنا وتستقر فيها، إما بشكلٍ مباشر أو غير مباشر وبعد فترة قصيرة أو طويلة من الزمن.

فإذا أَردتَ بنفسك أن تختبر صحة ادعاءات الشركات بأن منتجهم عضوي أم لا، فعليك أن تسألهم عما يلي:

أولاً: هل تم استخدام الأسمدة الكيميائية والمبيدات بشكلٍ عام في إنتاج هذه المادة الغذائية، سواء أكانت نباتية أم حيوانية؟

ثانياً: هل استخدم أي نوعٍ من المضافات أو النكهات أو الإشعاعات عند تصنيع هذه الأطعمة؟ 

ثالثاً: هل تم حقن المواشي أو إضافة المضادات الحيوية وهرمونات النمو وغيرها من المواد الكيميائية في علف الحيوانات؟ 

رابعاً: هل تم تعديل جينات النباتات أو الحيوانات التي استخدمت في إنتاج هذه الأطعمة؟

خامساً: هل تم استخدام حمأة مياه المجاري للتسميد العضوي في الأرض الزراعية؟

سادساً: هل حصل صاحب الشركة على شهادة معتمدة رسميا من أي جهة حكومية تؤكد أن ممارساته اليومية لا تضر بصحة الإنسان وبيئته؟ وهل المنتج الذي يسوقه عليه علامة الأغذية العضوية؟

ونظراً إلى صعوبة الالتزام بكل هذه المعايير والاشتراطات من الناحية العملية والمالية والواقعية، فإن وزارة الزراعة الأمريكية حددتْ أكثر من «علامة» واحدة ذات لون أبيض أو أخضر تُوضع على المنتج العضوي، فمن هذه العلامات ما هو مكتوب عليه «100% طعام عضوي»، أي أن الشركة المنتجة لهذا الطعام العضوي قد التزمت بكل المعايير الخاصة بهذا النوع من الغذاء الحيواني أو النباتي، ثم يأتي المنتج الأقل جودة من الناحية العضوية والأقل التزاما بالشروط، فتُوضع عليه علامة «95% طعام عضوي»، أو 70%.

وفي تقديري فإن الواقع البيئي المؤلم الذي نعيشه في كل أقطار العالم، والتعديات الواسعة النطاق التي ارتكبتها أيدي البشر منذ أكثر من قرن على حرمات البيئة ومكوناتها الطبيعية الحية وغير الحية من ماءٍ وهواء وتربة، والفساد العظيم الذي أحدثه في كل جزء صغير أو كبير من بيئتنا، وفي كل شبر قريب أو بعيد، تجعلني أشك في وجود الأطعمة العضوية الكاملة والخالصة بحسب المعايير والمواصفات التي حددتها الدول. 

فالمزارع التي تدعي أن ممارساتها اليومية تتوافق مع المبادئ والاشتراطات الخاصة بالأغذية والإنتاج العضوي لا تعيش في معزلٍ عن البيئات الأخرى، ولا تعيش في معزل عن المؤثرات البيئية الضارة التي لطخت البيئة برمتها في كل مكان، فالعناصر البيئية كلها مرتبطة بعضها ببعض وتعيش كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. فالهواء الجوي في كل مكان في العالم أصابه داء التلوث، والمطر الذي ينزل من السماء أصبح حمضيا ومشبعا بالملوثات، والرياح التي تنتقل من منطقة إلى أخرى تحمل في بطنها الملوثات، والمياه السطحية والجوفية تسممت بالملوثات وتنقلها من موقع إلى آخر.

فبعد كل هذا الوضع البيئي المأساوي، كيف لنا أن ندَّعي بأن هناك منتجاً عضويا سليما خاليا من ملوثات البيئة؟ 

وكيف لأي منتجٍ مهما كانت الوسائل والاحتياطات التي استخدمت في إنتاجه أن يكون نقيا صافيا لم تَشُبه ملوثات السماء والأرض؟  

bncftpw@batelco.com.bh

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news