العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

أضواء على سياسات توطين الوظائف في دول مجلس التعاون الخليجي

بقلم: د. أسعد حمود السعدون {

الخميس ٠٣ أكتوبر ٢٠١٩ - 01:00

شهدت دول مجلس التعاون الخليجي خلال الأعوام (2017-2019)م حراكا حكوميا متواصلا وموفقا بمجال إنفاذ سياسات توطين الوظائف، والتي يقصد فيها عملية توظيف المواطنين، أو إحلال العمالة المواطنة بدلا من العمالة الأجنبية الوافدة سواء في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص، وذلك في إطار نظام متكامل لإصلاح أسواق العمل الخليجية التي تعاني من اختلال مزمن. واعتمدت وسائل عديدة منها زيادة الرسوم والضرائب على العمالة الأجنبية، وفرض المزيد من القيود الإدارية على استقدامها، والملاحقة الأمنية للعمالة الوافدة السائبة والمخالفة لاشتراطات الإقامة، ومنع توظيف غير المواطنين في القطاع الحكومي إلا في بعض المجالات والاختصاصات التي لا يتوافر فيها مواطنون، وتخصيص قطاعات معينة لا يجوز العمل فيها لغير المواطنين، وإنشاء مكاتب وإدارات وصناديق خاصة بتوظيف المواطنين، ومنح القطاع الخاص حوافز مالية ونوعية في حال توظيفه المواطنين، ما نجم عنها عودة أعداد كبيرة من الوافدين إلى بلدانهم، وارتفاع أعداد ونسب المواطنين في أسواق العمل الخليجية، أبرزها في المملكة العربية السعودية، فقد شهدت مغادرة نحو مليون ونصف المليون وافد خلال هذه المدة، ما أدى إلى تقليص حجم العمالة الوافدة بنسبة 8% من أجل خلق المزيد من الفرص الوظيفية ومنع ارتفاع معدلات البطالة ولا سيما بين الشباب في الأجل القريب على الأقل، حيث تسعى الحكومة عبر برنامج التحول الوطني الذي هو أحد برامج رؤية المملكة 2030م إلى توفير نحو (450) ألف وظيفة جديدة للسعوديين وإحلال (1.2) مليون وظيفة للمواطنين بدلا من الأجانب بحلول عام 2020 م، وتخصيص عدد من القطاعات والوظائف التي لا يجوز إشغالها إلا من قبل مواطنين في منشآت الأعمال الخاصة، مثل التأمين والاتصالات والمواصلات، ومعارض بيع السيارات والدراجات النارية ومحلات بيع الملابس الجاهزة وملابس الأطفال والمستلزمات الرجالية، ومحلات الأثاث المنزلي والمكتبي الجاهز، ومحلات الأواني المنزلية، ومحلات الساعات والنظارات والأجهزة الكهربائية والإلكترونية. كما تمت إضافة منافذ تجارية أخرى عام 2019م مقصور العمل فيها على المواطنين، وهي منافذ بيع مواد الإعمار والبناء، ومحلات الأجهزة والمعدات الطبية، ومتاجر قطع غيار السيارات، وجميع محلات بيع الحلويات، ومتاجر السجاد بكل أنواعه. كما أعلنت الحكومة قرارا يقضي بقصر العمل بالمراكز التجارية المغلقة (المولات) على المواطنين والمواطنات. مع تحفيز قطاع الأعمال الخاص للمبادرة بتوظيف المواطنين، عبر حزمة من البرامج وأنماط متعددة من الدعم. 

كما اعتمدت مملكة البحرين حزمة من الإجراءات لتحفيز القطاع الخاص لاستقطاب وتوظيف المواطنين وإحلالهم بدلا من العمالة الوافدة، فضلا عن رفع كلفة استقدام العمالة الأجنبية، لأجل تقليص البطالة وتمكين المواطن البحريني من الحصول على أفضل الخدمات التدريبية والتعليمية، والتأهيلية بما يؤهله للحصول على وظائف ذات أجور مرتفعة. كما سعت إلى تمكين الشباب من إنشاء مشروعاتهم الخاصة القائمة على الإبداع والابتكار، وأكدت الرؤية الاقتصادية لمملكة البحرين 2030م أهمية إصلاح سوق العمل، وبذل مجلس التنمية الاقتصادية وحكومة البحرين جهودا كبيرة لإنفاذ سياسات التوطين، وتم إنشاء العديد من المؤسسات الداعمة لتحقيق أهداف تلك السياسات مثل مؤسسة العمل تمكين، وبنك البحرين للتنمية وغيرها، ومع ذلك لم ترتق العمالة المواطنة لتصبح الخيار المفضل في سوق العمل. 

فيما اعتمدت دولة الكويت نظام الكوتة بفرض نسبة من العمالة الوطنية على الشركات الخاصة، ويعاد النظر في تلك النسبة اعتمادا على نمو العمالة الأجنبية بصفة عامة في الدولة، إذ إن تسارع نمو العمالة الأجنبية الوافدة يؤدي إلى رفع نسبة الكوتة، فيما تسعى إلى إحلال المواطنين بدلا من الأجانب في القطاع الحكومي، وقد أصدر ديوان الخدمة المدنية في الكويت، في شهر سبتمبر 2017، قرارا يقضي بإحلال الكويتيين بدلا من الوافدين في الوظائف الحكومية، بنسبة 100% بحلول عام 2020م . وعلى الرغم من أن الكويت كانت سباقة في مجال اعتماد برنامج وطني لإعادة هيكلة القوى العاملة والجهاز التنفيذي للدولة منذ عام 2000م، بهدف تنمية العمالة الوطنية وتوجيهها إلى العمل في القطاع الخاص بما ينسجم مع أهداف التنمية في الحد من البطالة، إلا أن الملاحظ أن خطواتها التنفيذية لا تزال بحاجة إلى تفعيل وتسريع ومواكبة لتطورات سوق العمل.

بينما دولة الإمارات العربية المتحدة التي تعاني من الهيمنة المطلقة للعمالة الأجنبية الوافدة على قطاع الأعمال الخاص، فضلا عن نسبة غير قليلة من العمالة الأجنبية في القطاع الحكومي فقد عدت توطين الوظائف من أهم مؤشرات الأداء الرئيسية لتحقيق رؤية الإمارات 2021م. وأطلقت الحكومة الاتحادية مبادرة التوطين، لزيادة انخراط المواطنين الإماراتيين في سوق العمل، وخاصة في قطاع الأعمال الخاص، وأولت أهمية كبرى لخلق فرص وظيفية لهم، وتوفير ما يلزم من برامج الإرشاد والتوجيه المهني، والتدريب والتطوير، وتشجيع المواطنين للالتحاق بالعمل، وتحفيز الشركات والمؤسسات الخاصة على المشاركة في عملية التوطين، من خلال تحمّل الدولة جزءا من المكافآت الشهرية التي يحصل عليها المواطنون العاملون في تلك المؤسسات، بالإضافة إلى تحمّل تكاليف التدريب المقدمة للموظف المواطن. فيما شرعت بعدم جواز قيام وزارة الموارد البشرية والتوطين بالموافقة على استخدام غير المواطنين إلا بعد التأكد من واقع سجلاتهم، من أنه لا يوجد بين المواطنين المقيدين في قسم الاستخدام عمال متعطلون قادرون على أداء العمل المطلوب. وبالرغم من هذه الإجراءات وغيرها من المبادرات سواء على مستوى الدولة أو على مستوى الإمارات، لا تزال القوى العاملة الوطنية أقلية إن لم تكن دون ذلك في سوق العمل الإماراتي. 

وما ينبغي الإشارة إليه أن جميع سياسات التوطين المعتمدة في دول المجلس أكدت أهمية التأهيل والتدريب المسبق للعمالة المواطنة بغية ألا تؤدي عملية الإحلال إلى إحداث آثار سلبية في إنتاجية المنشآت التي تنفذها من جانب، ومن جانب آخر أن حكومات دول المجلس تكفلت بتحمل جزء مهم من رواتب وأجور المواطنين العاملين في القطاع الخاص من أجل أن يكون التوظيف فيه جذابا للمواطن من ناحية، ومن ناحية أخرى ألا يؤدي إلى زيادة تكاليف المنشآت التي توظف المواطنين.

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news