العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

مقالات

العبودية تتشكل مع تطور النظم الاقتصادية

بقلم: د. جعفر الصائغ

الثلاثاء ٠١ أكتوبر ٢٠١٩ - 01:00

تطورت النظم الاقتصادية في العالم، فقديمًا كان الإنسان يعيش نظام العبودية، الذي كان فيه الرقيق يباعون ويشترون في أسواق النخاسة، وقد استمر هذا النظام فترات طويلة من عمر الإنسانية، إذ عرفت جميع الأمم والحضارات هذا النظام الذي كان يقضي بجواز أن يتملك الإنسان إنسانا آخر، ويتحكم به، ويصادر آراءه، وحريته، ويبقى العبد يعمل لدى سيّده إلى أن يموت أو يعتق، لقد قامت على أكتاف العبيد الحضارات الكبرى بالعالم القديم. وتشير البيانات إلى أنه في عام 1444م كان البرتغاليون يرسلون إلى سوق النخاسة ما بين 700 - 800 عبد من مراكز تجميع العبيد على الساحل الغربي لإفريقيا. تطور الإنسان ونضج عقلاً وفكرًا فثار ضد نظام العبودية، إذ نجح في إسقاط هذا النظام القاسي ليتحرر العبيد من أسيادهم. وجاء بعد ذلك النظام الإقطاعي الذي انتشر في العصور الوسطى كنظام اقتصادي وسياسي. 

وهو في الواقع نفس نظام العبودية ولكن بصورة أرقى، في هذا النظام كان فيه الملك يوزع الأراضي الزراعية على النبلاء (حاشيته وكبار القوم من الأثرياء) فتصبح الأرض بما عليها من العباد والزرع والطير ملكا لهذا الفرد (السيد)، كان الفلاحون يعملون في أراضي النبلاء بلا مقابل ضمن أعمال العبودية، وكانوا يعيشون في ممتلكات سيدهم ويلتزمون بالدفاع عنه فضلاً عن التزامهم بضريبة سنوية عالية تكاد تجهز على كل ما ينتجونه طوال العام. 

أدرك الإنسان أن هذا النظام لا يختلف كثيرًا عن نظام العبودية, فالنبلاء يستعبدون العمال ويسلبون حقوقهم، فذهب يبحث عن نظام آخر يكون فيه الإنسان حرا مكرمًا. في ذلك الحين شهد العالم ازدهارًا في حركة الموانئ والتجارة الدولية وكذلك الهجرة والسياحة، استغل الفلاحون هذا التطور فثاروا على الإقطاعيين وأصبحوا يتحررون من أسيادهم ويهربون من أعمالهم إلى الموانئ والتجارة. وبالفعل نجح الفلاحون في الإطاحة بأسيادهم ونظام الإقطاعيين، وأصبحوا تجارًا كبارا، الأمر الذي أدى إلى ظهور طبقة غنية سُميت فيما بعد «بالبرجوازية».

استمر الإنسان في التطور والحداثة وبرز علماء ومفكرون يطرحون آراءهم ونظرياتهم الاقتصادية. أولهم هو الفيلسوف والباحث الاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث الذي عمل ثورة في الفكر الاقتصادي، وتبلور في عصره الاقتصاد كعلم يدرس في المدارس والجامعات إلى عصرنا الحاضر. ألف سميث كتابه الشهير «ثروة الأمم»، ودعا من خلاله إلى ثورة ضد العبودية والإقطاعيين وطالب بنظام اقتصادي جديد هو النظام الرأسمالي. وبالفعل ثار الناس ضد النظام الإقطاعي وأطاحوا به. كان آدم سميث يؤمن بضرورة عدم تدخل الدولة في الاقتصاد وأن تُعطى التجارة الحرية المطلقة، فالسوق قادر على موازنة ذاته من خلال العرض والطلب وبدون أي تدخل من قبل الدولة، احتياجات الناس هي التي ستحدد أي السلع التي ستزدهر وأيها التي ستبور.

رحب كثير من شعوب الدول بهذه النظرية وبالنظام الرأسمالي الذي كان في اعتقادهم أنه يرتكز على العدالة والحرية والملكية الفردية، فطالبوا بتنفيذ توصيات آدم سميث، بينما رفضها البعض الآخر وأهمهم الفيلسوف الألماني كارل ماركس الذي كان يرى أن الرأسمالية نظام غير إنساني يفتقر إلى العدالة، وأن الطبقة العاملة مسحوقة تمامًا ومهضومة حقوقهم، فهو نظام يزيد من طغيان المستثمرين ويقوم على استعمال الإنسان كآلة، فبعد اختراع آلة جديدة تقوم بوظائف العامل سيتخلص السوق من هذا العامل ويسحقه. وشبه ماركس الرأسمالية بعصر الإقطاع حيث إن الملكية الفردية لم تتغير، والعامل مثل الفلاح مسلوب الحقوق والإرادة. وبناء على ذلك دعت الماركسية إلى ثورة للإطاحة بالرأسمالية والتحرر من طغيان الرأسماليين. ومنذ عام 1848 والعالم ينتظر نبوءة الفكر الماركسي، ففي ذلك العام وضع كارل ماركس وصاحبه فريدريك إنجلز كتاب البيان الشيوعي تنبئوا فيه أن الإنسان في جميع بقاع الأرض سيثور يومًا ما ليطيح بالرأسمالية ويقيم مجتمعا شيوعيا بنظام اجتماعي اقتصادي مبني على الملكية المشتركة. ومنذ ذلك الحين وإلى وقتنا الحاضر والأحداث والتطورات تشير إلى عكس تلك النبوءة، فالمجتمعات الاشتراكية هي التي انهارت وأطيح بها والنظام الاشتراكي قد أصبح في عالم النسيان حيث بقى في الكتب والمراجع القديمة، التهمة الموجهة الى الماركسية هي نفس التهمة التي وجهت الى بقية النظم «العبودية» أو «عبودية الدولة». فعلى الرغم من تطور وتقدم البشرية في كل المجالات إلا أن العبودية بقيت إلى عصرنا الحاضر وبصورتها الحضارية تحميها القوانين والدساتير الدولية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news