العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

دول الخليج والتحالف الدولي لأمن الملاحة: رؤية استراتيجية

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٣٠ ٢٠١٩ - 01:00

في أعقاب الهجمات التي تعرضت لها المنشآت النفطية السعودية أعلنت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة انضمامهما للتحالف الدولي لأمن الملاحة وسلامة الممرات البحرية، ليزداد عدد الدول الخليجية إلى ثلاث بعد إعلان مملكة البحرين الانضمام لذلك التحالف، والذي يتوقع أن يشمل خليج هرمز وباب المندب وبحر عمان والخليج العربي، بالإضافة إلى ما تناولته وسائل الإعلام من أن دولة الكويت تدرس الانضمام للتحالف ذاته والتي أعلنت رفع المستوى الأمني في موانئها النفطية والتجارية في أعقاب تلك الهجمات. 

وواقع الأمر أنه بالرغم من أهمية تأسيس ذلك التحالف توقيتًا ومضمونًا، حيث يعد آلية مهمة لضمان أمن الملاحة البحرية في منطقة الخليج العربي والتي تعد شأنًا دوليًا فإنه برأيي يتجاوز مجرد كونه تحالفًا عاديًا إذ سوف يرتب نتائج مهمة للحفاظ على أمن الخليج العربي على المديين القريب والبعيد لثلاثة أسباب أولها: أن دول الخليج قد انتهجت خيار التحالفات مع القوى الكبرى, وقد أثبتت تلك التحالفات فعاليتها في الحفاظ على توازن القوى الإقليمي ومواجهة التهديدات الإقليمية ابتداءً برفع أعلام الدول الكبرى لحماية ناقلات النفط الخليجية إبان الحرب-العراقية الإيرانية في الثمانينيات ومرورًا بالتحالف الدولي لتحرير دولة الكويت عام 1991 وانتهاء بمشاركة بعض دول الخليج في التحالف الدولي لمحاربة داعش، وثانيها: أن ذلك التحالف من شأنه أن يسهم في معالجة معضلة أمن الخليج العربي والتي تتمثل في الخلل في توازن القوى، حيث كان - ولا يزال - الردع عاملاً أساسيًا في تحقيق الأمن الإقليمي، وبالنظر إلى عدم قدرة إيران على خوض حرب برية يلاحظ إطلاق تهديداتها غير ذي مرة لطرق المرور الاستراتيجية في منطقة الخليج العربي، ومن ثم فإنه حال تبلور ذلك التحالف سيكون إيذانًا ببدء حقبة جديدة من توازن القوى على الصعيد البحري بما يعني الحد مما تراه إيران أن لها السيطرة على طرق المرور البحرية، وثالثها: أن ذلك التحالف يعد ترجمة عملية للمسؤولية الدولية تجاه الحفاظ على أمن الطاقة، تلك القضية التي كانت- ولا تزال- تتصدر استراتيجيات الأمن القومي للدول الكبرى وحلف شمال الأطلسي «الناتو»، كجزء من المسؤولية الدولية لحماية أمن الخليج العربي الذي يرتكز عليه أمن العالم بأسره، وربما تتباين مصالح القوى الكبرى تجاه تلك المنطقة إلا أن ما يجمعها هو أن الحفاظ على تدفق النفط للدول الكبرى يعد خطًا أحمر ولا يسمح بتجاوزه، صحيح أنه ظل كذلك إبان العقود الماضية إلا أن التهديدات الأخيرة قد وضعت ذلك المبدأ موضع اختبار وخاصة في ظل تأثر 17 دولة جراء استهداف ناقلات النفط في الخليج العربي وبحر عمان، بالإضافة إلى حالة القلق المتزايدة لدى شركات الشحن العالمية، ناهيك عن حساسية أسواق النفط العالمية لمثل تلك التهديدات.

 ومع أهمية هذا التحالف يثار تساؤل مهم مفاده: ما الذي يمكن أن تقدمه دول الخليج العربي ضمن ذلك التحالف؟، واقع الأمر أن دول الخليج العربي قد أولت مسألة الأمن البحري اهتمامًا ملحوظًا ضمن تطوير خيار الدفاع الذاتي المتمثل في قوات درع الجزيرة من خلال إقرار تأسيس «مجموعة الأمن البحري81» للدفاع عن المياه الإقليمية لدول الخليج، فضلاً عن أن دول الخليج لها خبرات ممتدة بشأن الحفاظ على الأمن البحري من خلال تبادل قيادة قوات الواجب المشترك 150 بشأن الأمن البحري ومكافحة الإرهاب، وقوة العمل المشتركة 151 لمكافحة القرصنة، وقوة العمل المشتركة 152 بشأن التعاون الأمني في الخليج العربي, بالإضافة إلى إيلاء دول الخليج المناورات البحرية حيزًا كبيرًا من اهتمامها إبان السنوات القليلة الماضية كان آخرها تمرين «الموج الأحمر 2» الذي نفذه الأسطول الغربي لقوات البحرية الملكية السعودية بمشاركة الدول المشاطئة للبحر الأحمر خلال الفترة من22 إلى 26 سبتمبر2019, وهي الدول ذاتها أعضاء المبادرة التي أطلقتها المملكة في ديسمبر 2018 لتأسيس تكتل إقليمي للدول التي تشاطئ البحر الأحمر وخليج عدن، يضاف إلى ما سبق حرص دول الخليج على تطوير قواتها البحرية, ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر الاتفاق بين المملكة العربية السعودية وإحدى الشركات الفرنسية على إنتاج عدد من الزوارق للمملكة تتسم بسرعة استثنائية من أجل حراسة الشواطئ السعودية.

ومع أهمية ما سبق فإن هناك مقولة تتردد بشأن التحالفات عمومًا بغض النظر عن الهدف من تأسيسها وظروف نشأتها وهي أن التحالفات تنتهي بانتهاء المهمة التي أسست من أجلها، بما يعني أنها قد تكون تحالفات مؤقتة، وربما يصدق ذلك القول على «تحالفات المهمة» مثل التحالف الدولي لتحرير الكويت عام 1991 أو التحالف الدولي لمحاربة داعش2014, إلا أن التحالف الدولي لضمان أمن الملاحة يبدو مغايرًا، فمع أنه جاء استجابة من أطراف إقليمية ودولية لمواجهة التهديدات الإيرانية، إلا أنه برأيي ربما تكون له صفة الديمومة تأسيسًا على عدة معطيات الأول: تنامي تهديدات الأمن البحري بوتيرة متزايدة خلال السنوات الأخيرة في ظل زيادة اعتماد الدول على النقل البحري من ناحية، وزيادة حدة الضربات الموجهة للجماعات الإرهابية من ناحية ثانية في البر الأمر الذي يدفعها الى استهداف أهداف بحرية بكلفة بسيطة وخسائر فادحة، والثاني: استمرار التهديدات الإيرانية للممرات البحرية الحيوية في المنطقة إذ سعت إيران لتوظيف تلك الورقة غير ذي مرة ضمن صراعها مع الولايات المتحدة سواء من خلال التهديد بإغلاق مضيق هرمز أو استهداف ناقلات النفط، والثالث: يرتبط بشكل وثيق بتطور العلاقات الروسية-الإيرانية والتي تعكسها مؤشرات عديدة ليس أقلها ما تردد عن وجود مفاوضات بين الجانبين بهدف استئجار الأسطول الروسي ميناءين إيرانيين لمدة قد تصل إلى 49 سنة وهو الأمر الذي ربما تراه الدول الغربية تحديًا بشأن معادلة توازن القوى الإقليمي الراهنة بما يعنيه ذلك من ضرورة تعزيز التحالفات الغربية مع دول الخليج العربي. 

وعلى الرغم من أن عدد الدول التي أعلنت انضمامها لذلك التحالف حتى كتابة هذه السطور بلغ ست دول وهي الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا والبحرين والسعودية والإمارات، فإن تأسيس ذلك التحالف -حال اكتماله- سيكون نموذجًا لتفاعل الأمن الإقليمي مع نظيره العالمي حيث يتوقع أن تتولى الولايات المتحدة الأمريكية قيادة عمليات المراقبة البحرية والاستطلاع وتوفير سفن حربية لمهمات القيادة والسيطرة، بينما سوف تضطلع الدول الأخرى في التحالف بتقديم سفن لتسيير دوريات بالقرب من سفن القيادة وتوفر أفرادا لمرافقة سفن بلادها وناقلات النفط التي تحمل أعلامها، ومن ثم فإنه سيكون إيذانًا بمعادلة إقليمية جديدة.

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news