العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

مقالات

اندثار الصحافة وموت السياسة

د. وجدان فهد.

الأحد ٢٩ ٢٠١٩ - 01:00

يوما بعد آخر نشهد إغلاق عدة صحف عريقة وانسحاب عدد آخر منها من الساحة الإعلامية العربية من دون تبرير، وإن كان سبقها في ذلك صحف أجنبية. 

فقرار تصفية صحف لبنانية مثل النهار والسفير وصحيفة الحياة التي تتخذ من لندن مقرا لها.. كذلك توقفت عن النشر وتحديث حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي منذ نهاية الأسبوع الأول من شهر سبتمبر.. كل ذلك يطرح علامات استفهام عن مصير الصحافة العربية والأسباب الفعلية المؤدية إلى تلك النهاية. وهل ستلاقي صحفنا المحلية مثل ذلك المصير؟! 

أي نعم الصحف التي ذكرتها لبنانية المنشأ، لكنها دولية الاختصاص ولديها نخبة من الكتّاب الصحفيين الذين يقدرون بفكرهم وتراكماتهم المهنية سبر أغوار السياسة وتغيير مساراتها من خلال كتاباتهم التحليلية الرصينة في مقالاتهم وأعمدتهم اليومية أمثال جهاد الخازن وطلال سلمان وراغدة درغام. وبالتالي فإن غياب الأقلام الصحفية المؤثرة يشبه غياب المراصد الفلكية.. ما يعني ضياع بوصلة الاتجاهات والتفريق بين الأفول والبزوغ.

من جملة الأسباب التي ساقتها تلك الصحف أن المناخ السياسي لم يعد محفّزا على الاستمرارية، ذلك أن الصحافة تتغذى على السياسة، فإذا ما هجر الناس التعاطي مع السياسة والشأن العام، فمن أين ستتغذى الصحف وتنتج بناء على الوقائع والأحداث المستمرة؟! 

أما أنا فاذهب بالرأي إلى أن القارئ ليس لديه مشكلة في القراءة، وإنما المشكلة الحقيقية تكمن في ذلك السياق الذي يحثه على التفاعل مع الشأن السياسي بحس من المسؤولية الصادقة والمواطنة الفاعلة، من دون خوف أو ترقب لأي تحذير أو ردة فعل قد تنال من أمنه واستقراره وربما تنسحب على مورد رزقه، من أي طرف قد يحمل صفة رسمية أو دون ذلك.

إن مسألة البقاء على التفاعلية السياسية في المجتمعات لهي حتمية ضرورية يُرصد من خلالها حيوية المجتمع نفسه، ويكشف عن دواخله ومدى انسجامه من عدمه مع محيطه الإقليمي والدولي، والاهم من ذلك يحفّز الصحافة والصحفيين على الإنتاج الصحفي، وإلا فالركود يجعل من الصحف مجرد واجهة عرض (فاترينة) لأخبار دوائر العلاقات العامة.. من دون ممارسة حقيقية لفن التقصي الصحفي أو نقل القصة الإنسانية في أي حدث كما هي دون رتوش. 

أما السبب الآخر وراء القرارات الإدارية التي اتخذتها بعض الصحف للتصفية فهو معاناتها مع السوق الإعلانية، وتصاعد شكواها من منافسة بعض الحسابات الإخبارية بنقل محتوياتها من دون إذن ومراعاة لحقوق الملكية الفكرية. 

فالإعلان شريان أساس لتشغيل الصحيفة ودفع رواتب العاملين فيها، إذ إن نشر إعلان نعي مساحة ربع صفحة يكلف آلاف الدنانير، فما بالكم بإعلانات التهنئة التي تحتل صفحة كاملة في المناسبات الموسمية! وحتى هذه الإعلانات شبه الرسمية قد لحقت بالإعلانات التجارية وعرفت مسار المواقع الإخبارية على حسابات التواصل باعتبارها أرخص تكلفة وأكثر انتشارا.

وإزاء المنافسة غير العادلة بين صحف مؤسسية تنتج وتدفع لمنتجها الصحفي من رواتب للصحفيين ومواد طباعة وورق، وبين حسابات إخبارية لا يمكن إنكار تأثيرها على الرأي العام وانتشارها الهائل.. لا عجب أن تتوارى الصحف وتُغلق.

وهي المعاناة ذاتها التي ضج بها الصحفيون وحرّك جمعية الصحفيين البحرينية مؤخرا لإصدار بيان حثت فيه مسؤولي الحسابات الإخبارية في وسائل التواصل الاجتماعي على تصحيح أوضاعهم القانونية وإزالة المخالفات تفاديا لأيّ مساءلة قانونية مشروعة من المؤسسات الصحفية أو الصحفيين أو غيرهم. على اعتبار أن حق التعبير عن الرأي بالنشر أو الكتابة هو حق مشروع للفرد وغير مربوط بالممارسات التجارية الربحية، أما مزاولة مهنة الصحافة فتعني مأسسة العمل وفق الضوابط المقررة بالقوانين، من بينها الحصول على الرخص من الجهات الرسمية المعنية، ومؤدى ذلك تأسيس شركة تجارية تخضع لقواعد العمل التجاري وبما يتيح لها نشر الإعلانات لتمويل نشاطها وصرف رواتب موظفيها.

وفي أثر ذلك الجدل لا بد من وجهة نظري من الأخذ بالتجربة الفرنسية التي فرضت بالقانون على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب المنافسة غير المتكافئة أن تدفع للصحف مقابلاً مادياً أمام ما تأخذه كاملا أو ما يقتبس منها.

وفي رأيي ينبغي للصحف التي تنوي البقاء أن تفكر جديا في موارد أخرى غير الإعلانات التجارية لضمان تمويلها الذاتي، من ذلك أن تحاكي تجارب النوادي الرياضية الناجحة استثماريا. 

وأختم مقالي بدعوة كل الزملاء الصحفيين الى الدفاع عن بقائها وعدم التنازل عنها، فالصحافة كيان سياسي، وتلاشيها علامة من علامة احتضار السياسة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news