العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

الثقافي

قـصــة قـصـيـــرة: الحذاء القديم

بقلم: أ. فاطمة النهام

السبت ٢٨ ٢٠١٩ - 11:20

في صباح أحد الأيام أشرقت الشمس في سماء لندن الضبابية، مقترنة مع صوت ساعة بيج بن العريقة لترسم لوحة فنية جميلة، ومن بين صفوف الناس وشوارع المدينة الكبيرة، أخذ (البرت توماس) مكانا على الرصيف وهو يضع أمامه صندوق أغراض تنظيف الأحذية.

لقد اعتاد (البرت) على مهنة تنظيف الأحذية منذ طفولته، حيث ورث هذه المهنة عن والده، ها هو الآن على مشارف الخمسين من عمره.

كان يقابل كل يوم وجوها عديدة من الناس، رجالا ونساء وأطفالا، كانوا من الطبقة الراقية أو العاملة، فالفقراء أمثاله لا يأتون إليه أبدا.

اعتاد على أن ينهمك في تنظيف أحذيتهم وهو يرفع رأسه بين الحين والآخر، يتأمل هندامهم وأناقتهم، وتعابير وجوههم، يشعر بأنه قزم أمامهم! 

تمنى أن ينظر إلى العالم من الأعلى وهو يقف على قدميه، تمنى أن يشعر بإحساس الشموخ، لكن قدره حتم عليه أن يطأطئ رأسه إلى الأسفل، وأن يرى دائما من الأسفل، فرؤيته للعالم لم تتعد حدود أرضية الرصيف.

حينما كان يخالجه هذا الشعور غالبا ما كانت تتردد على مسامعه عبارة والده له (يا بني.. لا تخجل من مهنتنا، نحن نزاول عملا شريفا دون أن نؤذي أحدا).

استفاق من فيض أفكاره ليجد أمامه شابا طويلا، اقترب منه الشاب وفوجئ به يضع قدمه أمام وجهه، ما المشكلة؟! لقد اعتاد على أن يشهر الناس أرجلهم أمام وجهه.

انهمك بتنظيف الحذاء بخفة واختلس النظر إلى الشاب، خاطب نفسه: كم يبدو أنيقا هذا الشاب، لا بد أنه طبيب أو محام، انه منهمك في قراءة الجريدة، ترى ماذا يقرأ؟!

تمنى في قرارة نفسه أن يتعلم القراءة والكتابة، انه لا يستطيع أن يقرأ أو أن يتصفح الجريدة، كم هو أمر محزن.. بل مخز، كم تمنى أن يقرأ الجريدة.. تماما كما يفعل هذا الشاب، ولكن كيف؟ وهو لم يدخل المدرسة يوما!

نفض الأفكار من رأسه سريعا، وانهمك في تنظيف الحذاء، يجب ألا يكون فضوليا، عليه أن يتقن عمله على أكمل وجه، فأمثاله لا يقرأون الجرائد أو يرتدون الملابس الأنيقة، هي فقط للأغنياء.

وضع الشاب عملة معدنية في كف (البرت) وهو يبتسم بلطف ثم غادر المكان، لقد اعتاد أن ينظف الأحذية باهظة الثمن.. لا أن يرتدي مثلها أبدا.

كان يمر أمامه عدد من المارة، وعيناه تترقبهم، تنتظرهم حتى يتقدموا إليه ليشهروا أقدامهم بوجهه، لينكس رأسه لهم ثم يقوم بتنظيف أحذيتهم، لقد اعتاد على هذا الأمر وكفى.

عاد إلى بيته وقد أنهكه التعب، فتح خزانته الصدئة، وتأمل حذاء قديما كان قد أهداه إياه والده حينما كان طفلا في الثامنة من عمره.

يتذكر يومها جيدا حينما أخذه والده إلى محل الأحذية، ليشتري له هذا الحذاء، كان يومها يبتسم بلطف ويمسح على رأسه برفق.

احتضن الحذاء القديم وهو يتذكر حديث والده، (يا بني.. لا تخجل من مهنتنا، نحن نزاول عملا شريفا دون أن نؤذي أحدا).

حمل الحذاء القديم ووجد نفسه يرمي به في نار المدفأة! 

برقت عيناه ببريق الظفر وكأنه انتصر في معركة، وأخذ يتأمل الحذاء القديم وهو يحترق.. ويحترق.. ويحترق!

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news