العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

الثقافي

قصة قصيرة: لا تدع الديدان تقترب!

بقلم: عبدالله بير

السبت ٢٨ ٢٠١٩ - 11:06

كانت الغيوم مبعثرة على صفحة السماء بشكل عفوي، كأكوام القطن بعثرتها ريح قوية، بقع داكنة رمادية وأُخرى بيضاء كأنها جبال من ثلوج. بعض منها له لونٌ بين الأحمر والبرتقالي لأن الشمس صارت مثل برتقالة على الافق وهي تودع العالم في نهار خريفي معتدل وتشع لوناً برتقالياً مائلا إلى الاحمرار في ارجاء السماء، تمر نسمات باردة من الهواء تلاعب الأوراق غير المتساقطة من شجر الحور العالية على ضفة جدول الماء. مر الرجل العجوز بقرب شجرة الحور قائلا لها: انتِ رمز الجمال في هذا البستان، شموخكِ يبهرني، علوكِ يعطيني طاقةً عظيمة. لما وصل العجوز إلى شجرة اللوز الهرمة والتي اكل الدهر منها وشرب، وكيف أن الدود قد نال منها تقريباً، وأصبح في كل جذع وفرع فتحات، ونشارة الخشب تخرج منها، قال: 

- أنا لا أعرف كم تتحملين هذه الديدان؟ 

تحدث العجوز الى الشجرة وهو يلامس جذعها الثخين، ونظر الى أعلاها ثم أضاف:

تصيب الديدان الجذع الكبير فيك، قد لا تصل إلى الأعلى، ولكن ما فائدة ذلك، عندما يتحطم الجذع الكبير في الأسفل ينهار كل شيء وتسقطين.

بعد هذه الكلمات حاول العجوز أن يجلس تحت الشجرة ويسند إليها ظهره، ولكن السنين أيبست عظامه ومفاصله فأصبح جلوسه صعباً، مع آهة عميقة خرجت من روحه، جلس الشيخ متحدثاَ مع نفسه:

- ها انا ذا جلست ولكن كيف السبيل الى النهوض مرة أخرى؟

ثم رفع رأسه ناظراَ إلى شجرة اللوز:

نحن متشابهان، ومختلفان، نحن الاثنان أصابنا الهرم، تأكلك الدود وتأكلني آلام المفاصل والروماتيزم، كلاهما علة، ثم علاجنا متشابه، فعلاجك القطع وعلاجي الموت يعني نحن الاثنان نسير الى الفناء وفي النهاية يأكلنا الدود، تأكلك فوق الأرض، وتأكلني تحت الأرض.

سكت العجوز لبرهة ثم دمدم مع نفسه:

- الشجرة مثل الإنسان تنمو صغيرة، جميلة وتهز اوراقها وتلعب مع الهواء كما الأطفال، ثم تصبح شابةً، تتناسل وتتكاثر، ثم تهرم وتصيبها العلل والديدان فتموت لتأخذ مكانها شجرة أخرى وتقوم بنفس الدور مثل الانسان، هذه هي سنة الحياة، إنها فعلاَ متتالية عجيبة، مع كل هذا تبقى الحياة ونحبها ولكن تصبح ثقيلة علينا أحياناً بسبب الديدان، من أين تأتي هذه الديدان القبيحة، وكيف السبيل إلى إبادتها؟

هز العجوز رأسه:

- اذا الديدان هي سبب كل مشاكلنا، انها سبب مشاكل كل البستان، انها تنخر في كل شيء، لا يهمها سوى الشبع، إنها كائنات قذرة، طفيلية، تأتي في لحظات الضعف، أجل إنها كائنات مستغِلة، لا بد من قطع السبل عليها كي لا ندعها تقترب منا، إنها تسرق منا لحظاتنا الجميلة في حياتنا، لا بد من القضاء عليها، ستصبح الحياة أحلى وأجمل بدونها.

سمع العجوز فجأةً دندنة والتفت بسرعة، سمع صوتا غريبا وكأنه صوت شخص لا يستطيع الكلام إلا بصعوبة يقول:

- احذر، احذر يا صديقي من الديدان.

وما هي إلا لحظات حتى خرجت ديدان كثيرة، من كل حدب تنسل وكأنها جيش جرار، تخرج من كل شجرة وكل جذع، صغاراً وكباراً، ذكوراً واناثاً، ذوي لحى، محلقين، من يحمل قصبة أو عصا أو معولاَ او سيفاَ صدئاَ، جيش جرار من الديدان تترأسهم دودة بيضاء ذات رأس أسود فاحم كبير تضع بعض شارات الشجاعة على صدرها، وتحمل منجلاً كبيرا، اصطفت الديدان في صفوف منتظمة وحسب الصنف والعمر. اجتمع جيش ضخم من الديدان في صفوف منتظمة وكأنها تدربت لسنوات، وعلى يد أمهر القادة، الدودة ذات الرأس الأسود في المقدمة ومعها عدة ديدان أخرى تبدو انها اقل منها رتبةً وأهمية، صعق العجوز لما رأى ذلك فقام من مكانه بصعوبة مستنداً بإحدى يديه على العصى التي يحملها وامسك باليد الأخرى جذع شجرة اللوز الهرمة، وقال:

- هذا يعني أنها الحرب لا محالة. 

فردت عليه شجرة اللوز الهرمة:

 - إنها الحرب، انهم ومنذ سنوات يستعدون لهذه الحرب، فلنقاتل حتى النهاية، انتبه للميمنة وأنا سأكون في الميسرة، إنهم اقل مما توقعت.

فرد العجوز عليها: 

- حسناً. 

ورفع عصاه واستعد للمعركة وما هي إلا لحظات حتى سمع كلاهما صوت بوق قوي جداً وبلغة لم يفهماها صاحت الدودة ذات الرأس الأسود، ومع صياحها تحركت أرتال من الديدان راكضين مع عويل وصياح وهياج نحو الرجل العجوز وشجرة اللوز الهرمة، فقالت الشجرة للعجوز:

 تمالك نفسك، تمالك، استعد، اصبر قليلاً، قليلاً بعد، قليلاً بعد، دعها تقترب أكثر، أكثر، أكثر. 

ما أن اقتربت الديدان، قالت شجرة اللوز الهرمة للعجوز:

- الآن. 

انحنت شجرة اللوز الهرمة حتى وصلت فروعها العليا الى الأرض وحركتها يمنة ويسرةً والديدان تتطاير هنا وهناك، ولما رأى العجوز ما فعلت الشجرة فعل مثلها، حرك عصاه على الأرض، تهشمت الديدان المهاجمة وتحطمت وتطايرت في الهواء وانسحقت. ابيضت ساحة المعركة بالديدان، إما ميتة او تأخذ أنفاسها الأخيرة او مقسمة على نصفين، ما تبقيها متماسكة تلك المادة الصفراء اللزجة التي تخرج من أحشائها، انسحبت البقية تجر ذيولها أو تعرج، أو تهشم نصف رأسها، كل هذا أربك معسكر الديدان، نظر العجوز إلى شجرة اللوز الهرمة وابتسم لها:

انتصرنا، انتصرنا، انها مجرد ديدان، لا شيء مجرد ديدان. 

فردت عليه الشجرة:

- لم تنته المعركة بعد، إنهم يحضِّرون لهجوم ثانٍ، لا بد ان نستعد له أيضاً. 

فأخرجت شجرة اللوز الهرمة صوتاً عجيباً وكأنه صياح ثور هائج، وكررت صياحها ثلاث مرات، إلا أنها لم تتلق أية استجابة، فقالت ومسحة حزن بادية على ملامحها:

- بقية الأشجار ترفض أن تحارب، إنها تتجنب الديدان، نحن وحيدان في هذه المعركة فلنستعد لها.

وهما يستعدان للجولة الثانية للحرب، فإذا بالدودة ذات الرأس الأسود، تطلق صيحة عجيبة، وانشطر جيش الديدان إلى نصفين وكأنها تفتح الطريق ثم تقدمت مجموعة من الديدان ذوات رؤوس سوداء إلى مقدمة الجيش في مسافة غير بعيدة عنهم وحركت رأسها وكأنها لولب فولاذي، وغاصت في الأرض، والشيخ وشجرة اللوز ينظران إليهم، ما هي إلا لحظات حتى بدأت الأرض تهتز تحتهما وكذلك بدأ صوت يشبه الألم يصدر من شجرة اللوز الهرمة، ومعها بدأ الدم يخرج من الاطراف السفلى للعجوز وخرجت الديدان من الأرض تحتهما و اخذوا ينهشون في جسميهما، حتى اسقطاهما أرضاً وأصدر سقوطها دوياً عظيماً وما رآه الشيخ قبل ان يغمض جفنيه وإلى الابد أن بقية الأشجار في البستان تتساقط، واخر ما رآه منها كان سقوط شجرة الحور على الجدول.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news