العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

الثقافي

ســــرديـــات: الملتقى الوطنيّ الأول لـلـتراث الثقافيّ غير الماديّ.. الذاكـرة الـشـعـبيّة الـوطنـيّة التأسيسيّة إلى العالميّة

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ٢٨ ٢٠١٩ - 11:04

يتوافر المتخّيل الشعبيّ الجمعيّ على أهمية استثنائية كبرى نظرًا إلى أهمية الأنساق الثقافيّة التي يصدر عنها، وهي أنساق ثقافيّة تختزل علاقة الإنسان بمنظومة الكون من حوله. ولعلَّ أهمية هذا المتخيّل هي التي جعلتْ مفكرًا عربيًا كبيرًا هو الدكتور محمد عابد الجابريّ في كتابه «العقل السياسيّ العربيّ» يدخل المتخيّل بوصفه مكوِّنًا ثقافيًا أصيلاً من مكونات الحضارة العربيّة الإسلامية. إنَّ الجابريّ يكون بذلك قد أعاد الاعتبار إلى هذا المتخيّل الثقافيّ بعد أن أخرجه في كتابه الأول «تكوين العقل العربيّ»، وها هو ذا يراجع مشروعه، ويجبره الحضور العميق للمتخيّل العربيّ الإسلاميّ على إعادة الاعتبار إليه. في أوائل أربعينيات القرن العشرين ترجِمَ المشروع القوميّ الأمريكيّ للترجمة كتاب «الفولكلور الروسيّ» للروسيّ يوري سوكولوف نظرًا إلى أهمية المتخيل الشعبيّ الروسيّ في استنطاق سمات الشخصية الروسيّة، في عصر كانت فيه الحرب الباردة مشتعلة بين الولايات المتحدة الأمريكيّة والاتحاد السوفياتيّ. فما الذي جعل الولايات المتحدة الأمريكيّة تنبري لترجمة كتاب روسيّ يأتي في صميم علم الفولكلور، إنَّ السبب هو معرفتها العميقة بالخطورة الكبرى التي يشكّلها المتخيّل الشعبيّ الروسيّ، ولا نستطيع دراسة شعب من الشعوب أو أمة من الأمم في العالم كلّه دون استنطاق أساطيره ومروياته السردية الكبرى وعناصره الشعبية التأسيسية.

انتبهت هيئة البحرين للثقافة والآثار إلى أهمية صون التراث الثقافيّ غير المادي لمملكة البحرين من خلال عقدها الملتقى الوطنيّ الأول من 22-23 سبتمبر 2019. إنَّ البحرين عضو في اتفاقية اليونسكو لحماية التراث الثقافي غير المادي (2003)، وتحاول هيئة البحرين للثقافة والآثار التركيز على بعض العناصر الشعبية البحرينية التي يمكن ترشيحها لليونسكو لإدراجها في لائحة التراث الثقافي غير المادي للعناصر الوطنية البحرينية. ومن العناصر الكبرى التي اختارتها الهيئة في الملتقى الأول المعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون، العنصر الوطني، (الخيل العربيّة)، (المداخلة مقدمة من الشيخ أحمد بن صقر آل خليفة/ المقدم الركن قائد سرية المراسم والخيالة بالحرس الملكيّ وتعقيب الدكتور خالد أحمد محمد حسن وكيل وزارة الأشغال وشؤون البلديات والتخطيط العمرانيّ ومدير الإسطبلات الملكية)، والتقاليد وأشكال التعبير الشفهي، العنصر الوطني، القصص الشعبية، المداخلة مقدمة من الدكتورة ضياء الكعبيّ، أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث المساعد بجامعة البحرين، والممارسات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات، العنصر الوطنيّ، الأكل الشعبي والمداخلة مقدمة من الدكتورة دلال الشروقي. وفنون الأداء، الفجري والمداخلة مقدمة من الأستاذ جاسم الحربان مدير إدارة الخدمات الطلابية بوزارة التربية والتعليم. والمهارات المرتبطة بالفنون الحرفية التقليدية، العنصر الوطنيّ: السفن الخشبية، والمداخلة مقدمة من الأستاذ جمال شاهين.

الملتقى الوطنيّ الأول للتراث الثقافيّ غير المادي يؤكِّد التنمية الثقافيّة المستدامة في الاستراتيجية الثقافيّة لهيئة البحرين للثقافة والآثار في جهودها الممتدة وفي مشاريعها التأسيسيّة لصون التراث الثقافيّ غير الماديّ من طريق اللؤلؤ والمحرق عاصمة الثقافة الإسلاميّة، وفوز مشروع «إحياء مدينة المحرق» بجائزة الآغا خان للعمارة للعام 2019, وتبني الهيئة مشروع «التاريخ الشفهيّ»، وتكفلها بطباعة الكثير من الكتب التي هي مصادر خاصة بتراث البحرين الشعبي والكثير الكثير من الإنجازات الحقيقيّة المستندة إلى رؤية عميقة في الحفاظ على هوية البحرين الثقافيّة الوطنيّة. الشكر العميق لجهود معالي الشيخة مي بنت محمد آل خليفة رئيسة هيئة البحرين للثقافة والآثار على جهودها الوطنية ومبادراتها الثقافية الاستثنائية الكبرى لإعلاء اسم البحرين في المحافل الثقافية العالمية.

في الملتقى الوطنيّ الأول لمستُ عن قرب الوعي العميق بالتراث الثقافيّ غير الماديّ في الكوادر القيادية الثقافية الشابة ممثلة في معالي الشيخة هلا بنت محمد آل خليفة المدير العام للثقافة والفنون بهيئة البحرين للثقافة والفنون، ومعالي الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة مدير إدارة الآثار والمتاحف بالهيئة ومعالي الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة مدير إدارة التراث الوطنيّ والأستاذة هيا أحمد السادة رئيس الفنون والمعارض والأستاذة اليازية عبدالملك، والشكر العميق كذلك للجهود الكبيرة التي يبذلها الدكتور منير بوشناقي مستشار التراث العالميّ بهيئة البحرين للثقافة والآثار. إنَّ هذا الوعي العميق هو الذي يجعلني أطمئن إلى أنَّ مملكة البحرين ستقدم للعالم كله إرثها الثقافي غير الماديّ الذي حقّقته طوال قرون وقرون من العراقة الحضارية والثقافيّة الاستثنائيّة في هذه الجزائر التاريخيّة النابضة بعمق التاريخ. وأنا على ثقة أنَّ ثمّة حراكات ثقافيّة كبرى ستتمخض عن شراكات بين هيئة البحرين للثقافة والآثار وبين الفاعلين البحرينيين في مجال التراث الثقافيّ غير الماديّ. إنَّ مسؤولية كلّ مواطن بحرينيّ مهتم بالثقافة الشعبيّة البحرينيّة أن يتعاون مع هيئة البحرين للثقافة والآثار التي تتصدى لمهمة وطنية كبرى متمثلة في إيصال التراث الثقافيّ البحرينيّ غير المادي إلى العالميّة، والحفاظ عليه لإدراجه في لائحة اليونسكو لحماية التراث الثقافيّ غير المادي. هذه البحرين الغالية وهذا واجبنا الوطنيّ الحقيقيّ وهذه دعوة للمهتمين جميعهم للتواصل مع هيئة البحرين للثقافة والآثار التي ترحب بهذا التواصل الثقافيّ في إعداد ملف البحرين الوطنيّ.

dheyaalkaabi@gmail.com

أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث المساعد،

قسم اللغة العربيّة والدراسات الإسلاميّة، كلية الآداب، جامعة البحرين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news