العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

تأملات إيمانية في آيات القرآن الكريم (الساعة البيولوجية)

بقلم: د. محمد عطا مدني

الجمعة ٢٧ ٢٠١٩ - 11:33

 

تدور الأرض حول شمسها مرة كل أربع وعشرين ساعة، فيتعاقب الليل والنهار، لتتكون ظاهرتان متصلتان، ولكل منهما عمل يترتب على وجودها، قال تعالى في محكم آياته الكريمات: 

(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) (النبأ 10-11)

(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الَّليْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا) (الفرقان - 47)

(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) (يونس - 67)

وتوضح الآيات الكريمة السابقة، أن الليل قد خلقه الله للسكون والسبات والراحة، والنهار للسعي في الأرض والعمل لكسب العيش.

 ولكن المولى جل وعلا بعد أن خلق الإنسان في أحسن تقويم، لم يتركه لتتحكم فيه عاداته البشرية، فينام متى أراد، ويصحو متى ما أحب ذلك، فمن حرص الخالق الكريم على أن يأخذ الإنسان حقه من الراحة ليلا، وجعله لا يتأخر عن سعيه في طلب الرزق نهارا، فقد وضع فيه ساعة بيولوجية تضبط صحوه ومنامه مع دورة الأرض حول الشمس، فالله سبحانه وتعالى خالق الكون وخالق الإنسان، ولهذا كان لا بد أن يكون بينهما اتساق إلهي، فالخالق واحد جل في علاه، سما خلقه، وعظمت قدرته، وللدخول إلى معنى الساعة البيولوجية وكيف تعمل؟ نذكر القارئ الكريم أنه عندما يأتي من عمل مرهق  في منتصف النهار، فإنه يذهب إلى غرفته، ويسدل الستائر، ويطفئ الأنوار، ليأتيه النوم سريعا، وفعلا ينام نوما عميقا، ويصحو بعد ساعات مستردا قدراته ونشاطه العقلي والبدني. فماذا حدث؟ لقد خدع ساعته البيولوجية التي وضعها الخالق داخله لتنظم صحوه ومنامه، وذلك بإسدال الستائر وإطفاء الأنوار، فأين تتواجد هذه الساعة البيولوجية؟

تتواجد هذه الساعة داخل (الغدة الصنوبرية) التي ظلت سنوات عديدة لغزا محيرا للعلماء والأطباء، ليس فقط لموقعها المتميز في منتصف مخ الإنسان، بل وأيضا لصفاتها التشريحية المتميزة، ولأهميتها، سنطوف بكم حول موقعها التشريحي، ووظيفتها الحيوية كمصدر لهرمون مهم هو هرمون (الميلاتونين)، بعد أن توصل العلماء والأطباء إلى معرفة تشريح هذه الغدة، ووظيفتها في السنوات الأخيرة.

تقع الغدة الصنوبرية فوق جذع المخ مباشرة، وهي إحدى الغدد الصماء بالجسم، وهي عبارة عن جسم رمادي صغير طوله حوالي 8 مليمترات، وتزن حوالي 0.1 جرام فقط ، فإذا انتقلنا الى وظيفتها فهي تقوم بإفراز هرمون (الميلاتونين)، وتصبه مباشرة في الدم، ولا يتم ذلك إلا في الظلام.  

وقد اكتشف العلماء أن الغدة الصنوبرية تحتوي على خريطة كاملة لحقل ومجال الرؤية من كلا العينين، وهو ما ينبهها للتحكم في إفراز هرمون (الميلاتونين) عن طريق كمية الضوء الداخل إليها، لذا تعارف العلماء علي تسميتها (بالعين الثالثة)، فعندما تغيب أشعة الشمس وراء الأفق، وتظلم الدنيا، ترسل العين رسالة إلى المخ، ومنه إلى الغدة الصنوبرية التي تبدأ في إفراز هرمون (الميلاتونين)، ويؤثر هذا الهرمون على الجسم البشري فيعتريه الهدوء والسكون، ويساعده على النوم بطريقة مريحة، كما يحسن نوعية النوم، لذا سمي هذا الهرمون بـ(هرمون الظلام)، وعندما تبدأ الشمس في إرسال أشعتها إلى الأرض في مطلع النهار، يرسل المخ رسالة إلى الغدة الصنوبرية كي توقف إفراز الميلاتونين فينشط الإنسان صباحا ويتوجه الى عمله لكسب عيشه.

وبهذا تعمل الغدة الصنوبرية  كساعة  بيولوجية  داخل  جسم  الإنسان، تنظم له وقت النوم والاستيقاظ. 

ولهذا لا تعجب عندما يغالبك النعاس في ساعة محددة فتنام فورا، أو عندما تصحو من نومك صباحا كل يوم في ساعة معينة من دون ساعة منبهة، أو من دون أن يوقظك شخص من الأسرة، وهذا معناه أن ساعتك البيولوجية تعمل بصورة طبيعية، كما خلقها لك الله سبحانه وتعالى. 

ولكن يتم تخريب هذه الساعة الإلهية عن طريق الإنسان، وذلك بالسهر المستمر إلى ساعات متأخرة من الليل، ونجد الممثلين والإعلاميين أكثر الأفراد تخريبا لساعاتهم البيولوجية، حيث يعملون طوال الليل وينامون نهارا، فيعكسون الطبيعة البشرية التي خلقوا عليها، ولهذا يتعرض الكثير منهم للأمراض الخطيرة، ولا بأس أن يكون هذا السهر بالتناوب يوما واحدا في الأسبوع، أما إن استمر يوميا فهو يشكل خطرا على صاحبه.

ويحتاج المسافرون لمسافات طويلة بالطائرات (من أوروبا إلى اليابان مثلا والعودة) إلى عدة أيام للتأقلم مع فروق التوقيت، فعند تغيير وقت النوم والاستيقاظ، يضطرب إفراز الميلاتونين المعتاد، ما يحتاج الى فترة من الوقت للتأقلم. وقد استطاع الباحثون في جامعة (أوريغون) لعلوم الصحة في مدينة (بورتلاند) الأمريكية إجراء تجارب على استخدام هذا الهرمون بعد تصنيعه وإنتاجه في كبسولات، لعلاج مشكلات السفر الطويل لبعض رجال الأعمال الذين يعانون مما يعرف بظاهرة (التقاصر الزمني)، ومعناه الإحساس الخاطئ بتقدير الزمن الناتج عن السفر بالطائرات.

كما ثبت أيضا أن هرمون الميلاتونين الذي يفرز مباشرة في الدم وذلك بعد تعرض الجسم للظلام وبصفة خاصة أثناء النوم، يمنع تشكل الأورام السرطانية. وأيضًا يقوي جهاز المناعة.

سبحان الله وتجلت قدرته في خلق الإنسان بهذه الدقة الإلهية، والتي كلما توصل الإنسان إلى حل لغز من ألغاز خلقه، زاد إيمانا بأحقية الله سبحانه وتعالى بعبادته، وشكره طوال الليل وآناء النهار، على ما أنعم به عليه من نعم لا تعد ولا تحصى.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news