العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإمـام مـحـمـد الـخـضـر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجـهـاده إلـى مـشـيـخـة الأزهــر (93)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ٢٧ ٢٠١٩ - 11:32

 المرحلة المصرية (72):

الإمام الشاعر

نستطيع أن نقول بعد قراءة ما تقدم من حلقات أن الإمام خطيب موهوب وناقد بصير وباحث مدقق عميق، وكاتب بليغ ذو طابع خاص وأسلوب رصين فصيح العبارة، بليغ التركيب وقد بلغ قمة الإجادة الفنية في نثره وهو يجمع إلى المواهب الأدبية الدقة العلمية، فأسلوبه مع جماله الأدبي يتسم بالتعبير العلمي الدقيق. ولعل القارئ يوافقنا في ذلك.

أما الجانب الذي لا يعرفه الكثير عنه -يرحمه الله- فهو الجانب الشعري.. فهو شاعر مفلق حباه الله مقومات الشاعر العبقري الفذ، من فحولة النظم وجزالة اللفظ مع الجرس والجلبة وفخامة البيان ومتانة الديباجة وإشراقها ورصانة القافية ومعرفته بمداخل الشعر ومخارجه، وقد جرى في شعره على النمط العربي الصحيح ولكنه كان أبعد الناس عن البداوة وأقربهم شبها بأهل الحضر رقة طبع ووضوح معنى وسلامة أسلوب.

ولكنه كان مُقلا في شعره لأنه لا ينظم إلا ما ترتاح إليه نفسه ويمليه عليه ضميره حتى جاء أغلب شعره على هيئة مقطعات (مقطوعات) شعرية، اللهم إلا أن تبعثه بعض الأحداث على القصيد فيطيل ما شاء الله له أن يطيل، فكأن شأنه في هذا شأن الكروان لا يغرد إلا إذا تألق القمر، والهزار (طائر حسن الصوت) لا يشدو إلا إذا تفتح الزهر.

وهو حين يطيل لا يضعف ولا يسف في الإطالة وكأنه يتمثل في ذلك قول أبي إسحاق الصابي:

رب شعر أطاله طول معناه... وإن قل لفظه حين يروي

وطويل فيه الكلام كثير... فإذا ما استعدته كان الغوا

- العلماء والشعر:

لعل الشيخ استشعر شيئًا من الدهشة عند أصحابه لنظمه الشعر وهو من هو علمًا وفقهًا فقال في ذلك:

تبرأ بعض العلماء من الشعر ورأى أنه يزري بالعلماء فقال:

ولولا أن الشعر بالعلماء يزري... لكنت اليوم أشعر من لبيد

ولكن الشعر في ذاته لا يزري بالعلماء، بل هو فن من فنون أدب اللغة، فمن تعلق به فقد ضم إلى أدبه أدبًا، والشعر الذي يزري بالعلماء هو الشعر الذي يقبل عليه الجاهلون، ويدعوهم إلى ما فيه خيبة وخسر، والذي يتيه بصاحبه في كل ناحية من الباطل وما يقول صاحبه ما لا يصدر منه وهو المشار إليه بقوله تعالى «والشعراء يتبعهم الغاوون*ألم تر أنهم في كل واد يهيمون*وأنهم يقولون ما لا يفعلون*إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» (الشعراء/ 224-227).

وفي الشعر خصلة أخرى تزري بالعلماء، أعني اكتساب الرزق به وهو قادر على الاكتساب بغيره من الحرف اللائقة، وهجاء من لا يجازونه على مدحه لهم ثم ضرب مثلاً للفقهاء الأدباء بالقاضي علي بن عبدالعزيز الجرجاني الذي يقول:

يقولون لي فيك انقباض وإنما... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما

يقولون هذا مورد قلت قد أرى... ولكن نفس الحر تحتمل الظما

- أثر الشعر على النفس:

يقول الإمام: ثم إن الشاعر يطلق لخياله العنان فيؤلف من المعاني التي يقع عليها الخيال صورًا شائعة ليست من عادة البلغاء إيراد أمثالها في منثور الكلام.

وهذا الذي امتاز به الشعر من الوزن والقافية والأساليب الغريبة وصور المعاني الطريفة جعله يفعل في النفوس ما لا يفعله المنثور من القول وجعله يخرج النفوس من الهمود إلى انتباه ومن الانقباض إلى ارتياح ومن النفور إلى اقبال وضرب لذلك أمثلة عديدة كقول أبي العتاهية:

ما ضر من جعل التراب مهاده... أن لا ينام على حرير إذا قَنِعْ

ذلك القول الذي جعل بعض المترفين يمجد القناعة ولا يَأْسَ على فقد الرفاهية التي تكاد تتقطع قلوب الكثير على فواتها.

يقول كاتب هذه السطور:

وقد يصل تأثير الشعر إلى أن يتمنى القاتل لو كان هو مكان المقتول، فقد جاء في كتاب أسرار البلاغة للجرجاني أن عضد الدولة لما ظفر بالوزير ابن بقية قتله أفظع قتلة ونكل به أبشع مثلة حيث رماه تحت أقدام الفيلة، ولم يكتف بذلك بل صلبه وشبحه على الجذع ثم جاءت مرثية أبي الحسن الأنباري لابن بقية وما صنع فيها من السحر حتى قلب جملة ما يستنكر من أحوال المصلوب إلى خلافها وتأول فيها تأويلات أراك منها وبها ما لا تقضي العجب حتى إن عضد الدولة حين بلغته تلك المرثية تمنى أن لو كان هو المصلوب المشبح على الجذع يقول أبو الحسن الأنباري:

عُلُو في الحياة وفي الممات... بحق أنت إحدى المعجزات

كأن الناس حولك حين قاموا... وفود نداك أيام الصلات

كأنك قائم فيهم خطيبًا... وكلهم قيام للصلاة

مددت يداك نحوهم احتفاء... كمدهما إليهم بالهبات

إلى آخر ما جاء في هذه المرثية التي خلدت ابن بقية على مدى التاريخ.

- أغراض الشعر عند الإمام:

عرفنا أن الرجل طاهر السريرة مستقيم السيرة، سني الخلق قوي الإيمان عالي الهمة رفيع القدر يجاهد في سبيل الله ولا يخاف لومة لائم، لذلك أعرض عن بعض أغراض الشعر، فلم ينظم إلا ما ترتاح إليه نفسه ويمليه عليه ضميره، ويبتغي به وجه الله من نصرة شريعته والذود عن دينه ومشاركة إخوته المسلمين همومهم والوقوف إلى جوارهم لذلك يقول:

وفي الشعراء من ضاقت خطاه... وفاتته الحقائق وهي شتى

فراح يخال له القول جدا... وينفث في مكان الرشد بُهتا.

لذلك نظم الشعر في أغراض أهمها:

الاخوانيات، وهي نوع من الشعر الاجتماعي الذي يصور الروابط والصلات بين الأصدقاء والشعراء، ويدور حول الصداقة والتهنئة والاعتذار والشكوى والعتاب والتعزية والاستعطاف.

وكان من أغراضه أيضًا القضايا الوطنية والسياسية والرثاء والوصف والوجدانيات والاجتماعيات والإسلاميات والتأمل في تجارب الحياة وصروف الأيام وأخلاق الناس، وطبائعهم وميولهم.

وهكذا جاء شعره خاليًا من المدح الذي يراد به التملق والارتزاق وكذلك من الهجاء الذي يزرع الضغائن والأحقاد في أغلب الأحيان، وكذلك من الغزل المسف الرخيص الذي يجعل الشاعر يهيم في وادي الزور والبهتان أو يقع في حفرة الزيغ والمجون، كما خلا من الأغراض التافهة وكل هذا يدل على سمو أخلاقه ونبل خصاله ورفعة همته، ولا عجب فالرجل عالم دين وعلم من أعلام الدعوة إلى الإصلاح.

(وإلى حلقة قادمة إن شاء الله) 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news