العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

أين الترادف (16): (الذي أطعمهم من جوع...)

بقلم: عاطف الصبيحي 

الجمعة ٢٧ ٢٠١٩ - 11:30

 

الجوع وتطوراته كمفهوم قرآني نجد تجلياته في الحياة عبر مراحل التاريخ، ولو اعتمدنا تاريخنا الإسلامي لنؤرخ لهذا الأمر البشع وجدناه يتطور ليأخذ مفهوم التجويع وليس الجوع، وهو فعل لا أخلاقي مقصود ينتهي بالتركيع أو الموت، وحول هذا المحور الأساسي من حياة الناس، نجد كتابنا الكريم يتناول المفهوم مع ما فيه من تطورات في مُجملها لا تترك في النفس إلا انطباعًا سيئًا شائنا.

الجوع: ألم بسيط عند الشعور بالجوع وهو أول شعور بفراغ المعدة من الطعام، وهو مفهوم نعرفه ونحسه يوميًا، فلا نتوانى بسد الفراغ في المعدة لنُذهب هذا الإحساس بتناول الوجبات الثلاث المعتادة، (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) 4 قريش، نعمتان لا ينعم الإنسان بحياته إلا بهما، نعمة الشبع ونعمة الأمن، ولا تُغني إحداهما عن الأُخرى، (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع...) 155 البقرة، نجد التلازم بين تلك النعمتين مرة أُخرى في هذه الآية، (... فأذاقها الله لِباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) 112 النحل.

الخصاصة: حالة متطورة عن الجوع وذلك بزيادة مدة الجوع الذي يتحول بها من جوع إلى خصاصة، وهي من الخص وهو نبات من القش أصفر ضعيف وهزيل، والاصفرار هي علامة تمكن الجوع من الإنسان فتظهر علاماته على الوجه، وهو ما يُسمى حديثًا «سوء التغذية» والآية التاسعة من سورة الحشر تُصور هذا الوضع بشكله الإيجابي (والذين تبوءوا الدّار والإيمان من قبلهم يُحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجةً مما أُوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يُوقَ شُح نفسه فأولئك هم المفلحون) هنا تُبرز الآية الكريمة الوجه الإنساني لفئة الأنصار التي تعاني حاجة شديدة ولا تجد ما يسدها ويُقدمون المهاجرين على أنفسهم.

المخمصة: ومع زيادة الخصاصة فإنها تتطور مفاهيميًا إلى مخمصة، والتي تؤدي إلى أن تغور العينين جوعًا، وتبرز عظام الجسم لانكشاف اللحم عنها، ويتراجع البطن إلى داخل الجسم وتضعف الحركة والنشاط، ما قد يُحدث تشوهًا في الشكل من شدة الجوع، وهذا ما يُطلق عليها في أيامنا هذه المجاعة، وشاهدنا منها الكثير على شاشات التلفاز، وهي حالة جوَّز الله لمن يعيشها أن يأكل مما هو مُحرم على غيره ممن لا يعيش مثل هذه الحالة، إنقاذًا للحياة والحفاظ عليها، (... فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثمٍ فإن الله غفور رحيم) 3 المائدة، (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يُصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله...)120 التوبة. 

المسغبة: الجوع الشديد إذا ترافق معه تعب شديد وعناء فإنها درجة متقدمة جدًا من الجوع تُسمى مسغبة، والمتأمل في سورة البلد يجد فيها معنى ساميا يناسب حالة المُقتحم المُتجاوز للعقبة (فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يومٍ ذي مسغبة يتيمًا ذا مقربة أو مسكينًا ذا متربة) 11-15 البلد، الإطعام في يوم الطعام فيه قليل وعزيز ومُشتهى من قِبل الكثرة الكاثرة، فمن يقوم بهذا الفعل البطولي الإنساني يجتاز العقبة في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وهؤلاء هم أولو العزم من الناس.

كل المعاني السلبية تتولد من رحم الجوع وتنبثق عنه، فتنتهي الحياة الإنسانية بمعناها الإنساني إذا ساد الجوع وانتشر بين الناس، فتشيع على أثره كل الفواحش التي تشيع بين العباد، وأول النِعم المفقودة هي نعمة الأمن، فليس غريبًا أن يرتبط الخوف والجوع بعلاقة عضوية في آيات الذكر الحكيم، وليس غريبًا أن نصادف مئات الآيات تحضنا على الإنفاق لإضفاء المعنى الإنساني على الحياة. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news