العدد : ١٥٢٣٤ - الأحد ٠٨ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١١ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٤ - الأحد ٠٨ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١١ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

شرق و غرب

هل انتهى عصر «القوة الناعمة» في العالم؟

المؤلفة تيريز دلبيش.

الجمعة ٢٧ ٢٠١٩ - 11:24

ألقى وزير الخارجية الفرنسي جون إيف لودريان مؤخرا خطابا روتينيا تحدث فيه عن طبيعة العمل الدبلوماسي في عالم سريع المتغيرات كثير التحديات، لكن الأهم من كل ذلك أن الوزير الفرنسي قد أحدث منعرجا كبيرا في المفاهيم السياسية والجيو – استراتيجية، عندما قال: «لم تعد هناك قوة ناعمة في العالم. أسلوب القوة هو الذي بات يطغى في مختلف مناطق العالم». كان ذلك في الملتقى السنوي للسفراء الفرنسيين المتعمدين في الخارج. 

يذكر أن البروفيسور جوزيف ناي الأستاذ الأكاديمي بجامعة هارفارد العريقة بالولايات المتحدة الأمريكي، هو الذي تحدث عن مفهوم «القوة الناعمة» في سنة 1990، في مقابلة مفاهيم «القوة الصلبة» أو «القوة الحادة». 

القوة الناعمة مفهوم يعني قدرة أي دولة من دول العالم على التأثير على مجريات الأحداث والمواقف والأفكار باستخدام الأدوات والوسائل «الناعمة» في مقابل أدوات القوة الأخرى، العسكرية منها والاقتصادية. 

ضمن البروفيسور جوزيف ناي أفكاره تلك في كتابه الذي اختار له عنوان «القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية»، علما أنه عمل مساعدا لوزير الدفاع في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون كما عين على رأس مجلس المخابرات الوطني. يتضمن كتاب «القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية» خمسة فصول أساسية سعى خلالها المؤلف إلى التعمق في مفهوم القوة الناعمة التي توظفها الدول الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، بالتوازي مع القوة الصلبة «العسكرية»، وذلك بهدف تعزيز مصالحها في كل أرجاء العالم.

تتركز أدوات القوة الناعمة على وجه الخصوص في الجوانب الثقافية والإيديولوجية والروحانية. في هذا الصدد تعتبر استديوهات الانتاج الفني والسينمائي في هوليوود من أهم أدوات «القوة الناعمة» الأمريكية. 

ظلت الولايات المتحدة الأمريكية توظف هوليود كواحدة من أهم أذرع قوتها «الناعمة، من أجل فرض هيمنتها الثقافية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية على وجه الخصوص». 

لقد راج مفهوم «القوة الناعمة» على نطاق واسع خلال فترة التسعينيات من القرن العشرين الماضي إلى حد أن البروفيسور ناي قد تلقى دعوة رسمية من النظام الشيوعي الحاكم في بيكين، لأن الصين كانت ترغب في الاطلاع عن كثب على خصائص القوة الناعمة البعيدة عن المواجهة العسكرية، علما أن الصين لم تستطع حتى اليوم تكريس قوتها الناعمة ذلك أن القوة الصينية تنحصر فقط في تنامي قوتها الاقتصادية. 

لقد عمل البروفيسور جوزيف ناي بدوره على تطوير مفهوم «القوة الناعمة»، والذي كان قد أطلقه في فترة التسعينيات حيث انه انتقل في أدبياته من مفهوم القوة الناعمة إلى «القوة الذكية» وهو يمزج ما بين مقومات «القوة الناعمة» من ناحية ومقومات القوة الاقتصادية والعسكرية من ناحية اخرى. مثل التأثير الثقافي والافعال التي تنم عن القوة.

يعتبر المؤلف أن القوة الناعمة لا تقل أهمية عن «القوة الصلبة» بل إنها قد تكون أكثر أهمية وتأثيرا؛ لأنها بمثابة السلاح الذي ينفذ إلى العقول ويؤثر على الذهنيات وطرق العيش والتفكير ويسهم في تحقيق الأهداف المرسومة من خلال بث الصور الجذابة والاعتماد على أساليب الاقناع، عوضا عن اللجوء الى أسلوب القوة والإقناع بدلا من الإرغام أو دفع الأموال.

تعتبر الثقافة والتاريخ والحضارة والتراث من مقومات القوة الناعمة التي تمتلكها الدول، غير أن القوة الناعمة لا تختزل في النواحي الثقافية والحضارية والتراثية والفكرية. فحتى المطبخ يعتبر من مقومات القوة الناعمة مثل الوجبات السريعة والمرطبات وغيرها من المأكولات والمشروبات التي تلقى رواجا كبيرا في العالم، على غرار الأجبان الفرنسية.

أصبحت القوة الذكية حاضرة بقوة في السياسات والخطط الاستراتيجية التي تبنتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، غير أن مفهوم «القوة الذكية» تلاشى تماما مع وصول الرئيس الحالي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وتوليه مقاليد الحكم. 

هذه التطورات المتسارعة على الساحة العالمية والاقليمية هي التي جعلت وزير الخارجية الفرنسية جون إيف لودريان يعتبر أن عصر القوة الناعمة قد ولى وانتهى، وهو ما يعني العودة إلى أسلوب القوة الكلاسيكية. 

يعتبر الوزير الفرنسي مقومات القوة الناعمة، مثل الثقافة والاعلام والتنمية ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها قد أصبحت تكمل أسلوب القوة الاقتصادية والعسكرية التقليدية – السياسية منها والاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية لتصبح بالتالي ساحات للمعارك الشرسة ما بين القوى الكبرى في العالم، وخاصة بعد تنامي القوة الاقتصادية الصينية.

خلال المعارك التي خاضتها في الأعوام القليلة الماضية استخدمت روسيا سلاح الاعلام بمختلف أشكاله من أجل إبراز قوتها العسكرية أو بالأحرى اعتمدت روسيا على الاعلام من أجل نشر الأخبار الزائفة كواحدة من أدوات التأثير. 

راحت الصين ايضا في إطار «القوة الناعمة» إن صح التعبير، تروج لنجاح طريق الحرير الجديد، والذي يرمي إلى تطوير البنى التحتية في الدول النامية وفي بعض البلدان الأوروبية ايضا. 

أما فرنسا فهي تمتلك بدورها بعض مقومات القوة الناعمة الكلاسيكية بفضل إشعاعها الثقافي المتواصل، والذي بدأ مع عصر الأنوار وتعزز مع عهد المتاحف الكبرى، بل إن فرنسا قد اعتبرت سنة 2017 رائدة في مجال القوة الناعمة، لتتجاوز بذلك الولايات المتحدة الأمريكية، التي تراجعت «قوتها الناعمة» و«جاذبيتها» منذ وصول دونالد ترامب إلى السلطة بعد فوزه في الانتخابات ليحل محل الرئيس باراك أوباما الذي استثمرت إدارته كثيرا في القوة الناعمة. 

تعززت «القوة الناعمة» الفرنسية منذ انتخاب الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون غير أنها ليست مؤهلة اليوم بما يكفي للانتقال من «القوة الناعمة» إلى أسلوب القوة التي تحدث عنها وزير الخارجية الفرنسي جون إيف لودريان. لا يكفي افتتاح متحف في أبوظبي أو مركز بومبيدو (الذي سيدشنه الرئيس ماكرون في نوفمبر 2019) كيف نقول ان فرنسا قد عززت قوتها الناعمة في العالم وزادت من دورها المؤثر في العالم. 

إن هذا الخطاب «الحربي» الجديد الذي بات يتبع الدبلوماسية الفرنسية يعكس تطورا مهما كان قد عبر عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل ذلك في الكلمة التي ألقاها في الاجتماع السنوي للسفراء المعتمدين في الخارج. 

دعا الرئيس ماكرون في خطابه إلى بلورة مفهوم حضاري أوروبي أكثر قوة وقادر على مواجهة الخطاب العسكري الأرثوذكسي لحكم الرئيس فلاديمير بوتين أو الخطاب الكاثوليكي المجري. 

يتحدث الوزير جون إيف لودريان أيضا عن تنامي التناقض الحاد ما بين «القيم» و«النماذج» و«الأنماط» المتباينة في العالم المعاصر. تعكس هذه «القيم» و«النماذج» و«الأنماط» المتباينة لما يسميه علماء السياسة والاجتماع حالة التوحش التي باتت تسود العالم ما بعد نهاية الحرب الباردة. سبق للباحثة والعالمة السياسية تيريز دلبيش أن ألفت كتابا بعنوان «التوحش» وقد صدر عن دار غراسة للطباعة والنشر في فرنسا. توفيت المؤلفة تيريز دلبيش سنة 2012 وهي تصنف ضمن السياسيين المحسوبين على تيار المحافظين الجدد، وقد أثارت كثيرا من الجدل عندما شبهت الفترة التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى، أو الحرب الكبرى، (1914-1918) ببداية القرن الحادي والعشرين، وهي الفترة التي شهدت نشوب الكثير من الحروب والنزاعات، سواء في داخل الدول نفسها أو ما بين الدول المتعادية. خلصت المؤلفة إلى القول بأن أسلوب القوة هو الذي ساد تلك الفترة التي سبقت الحرب الكبرى التي أزهقت أرواح الملايين من الناس، والذي يسود، بحسب رأيها، منذ بداية القرن الحادي والعشرين. 

لونوفيل أوبزرفاتور

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news