العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

زلزال تونس .. الدرس العربي

«الزلزال» هي الكلمة التي أجمع الكل على استخدامها لوصف ما حدث في تونس في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة والنتائج التي اسفرت عنها.

هو زلزال لأن النتائج أتت بشكل غير متوقع ابدا. اسفرت عن فوز اثنين لم يكن الكثيرون في تونس يتوقع فوزهما. قيس سعيد، وهو أستاذ جامعي ومرشح مستقل، ونبيل القروي، وهو رجل اعمال مستقل أيضا.

الأمر الغريب في هذه النتيجة ان كثيرين من التونسيين لديهم ملاحظات وتحفظات كثيرة على الاثنين الفائزين، ولا ينظرون إليهما باعتبارهما مرشحين مثاليين.

نبيل سعيد مثلا يأخذون عليه انه ليس لديه أي برنامج انتخابي واضح ومحدد يمكن من خلاله الحكم على نوع السياسات التي سيتبعها لو فاز. كل ما لديه هو شعارات ومواقف عامة جدا ترضي طموح قطاعات واسعة من الشعب.

ونبيل القروي يواجه اتهامات بالفساد، وهو قيد الاحتجاز فعلا لهذا السبب.

إذن، لماذا اختارهما الشعب؟.. ما الذي يقف وراء فوزهما؟

الإجابة ببساطة ان الاثنين يجمعهما امر واحد مشترك.. انهما من خارج «المؤسسة» الرسمية.

والمؤسسة الرسمية ليست فقط أجهزة الدولة والحكم، وإنما تشمل أيضا الأحزاب والقوى السياسية الرسمية، سواء كانت معارضة أم لا، وأيضا القوى المدنية المنظمة.

إذن، فوز المرشحين واختيار الشعب لهما رغم تحفظاته عليهما يعني أمورا ثلاثة محددة:

الأول: أراد الشعب أن ينزل عقابا قاسيا بالمؤسسة الرسمية، وكل رموزها.

أراد الشعب ان يقول انه يعتبر هذه المؤسسة فاشلة وليست أهلا لقيادة البلاد بسياساتها التي عرفها في السنوات الماضية.

وأراد الشعب ان يقول ان كل الأحزاب السياسية بكل توجهاتها الأيديولوجية وانحيازاتها وبرامجها فاشلة ولا يعتبرها أيضا أهلا لحكم البلاد.

والثاني: أراد الشعب أن يعبر عن قناعة راسخة بأن هناك حاجة ملحة إلى تغييرات جذرية تطول كل مناحي العمل العام في البلاد، وعلى كل المستويات بعيدا عن السياسات والأساليب التقليدية في الحكم والممارسة السياسية.

والثالث: ان الشعب التونسي أراد ان يظهر عدم اكتراثه، بل ونبذه، لكل الانتماءات والانحيازات الأيديولوجية للأحزاب والقوى السياسية ومن يسمون انفسهم قيادات. الشعب اسقط كل هؤلاء.

الشعب باختياره للاثنين أراد ان يقول ان همه الأساسي ينصب على العدل الاجتماعي، وتحقيق الحياة الانسانية الكريمة للمواطنين.

بالطبع الشعب التونسي أراد ان يؤكد هذه الجوانب الثلاثة باختياره لسعيد والقروي على ضوء خبرته التي يعتبر انها مريرة في السنوات الماضية. الشعب فجر ثورة كبرى في 2011 وأطاح بنظام بن علي، وتوقع ان تكون هذه بداية لحقبة جديدة تتحقق فيها آماله وطموحاته في حياة افضل. لكن الشعب أصيب بالإحباط الشديد اذ لم تتحسن أوضاعه كثيرا في ظل الذين تعاقبوا على حكمه بعد الثورة.

ما فعله شعب تونس حين أدار ظهره للمؤسسة الرسمية، وانتخب سعيد والقروي، وبما يعنيه ذلك على نحو ما ذكرنا يمثل درسا بليغا يجب أن تتأمله كل الدول العربية.

الدرس ان كل مؤسسات الدولة يجب أن تعيد النظر في سياستها وفي أدائها بحيث تسعى إلى تحقيق آمال الشعب وطموحاته، وأن تدرك ان الصمت العام ليس دليلا على الرضا. يجب أن تدرك مؤسسات الدولة والقائمون عليها ان الغضب العام يمكن ان يكون كامنا، وستأتي لحظة يعبر فيها الشعب عن هذا الغضب، بالطريقة التي عبر بها شعب تونس أو غيرها.

والدرس أيضا لكل الأحزاب والقوى السياسية والمدنية. هذه القوى يجب أيضا ان تعبر عن الشعب وأن تتبنى آماله وطموحاته المعيشية بالذات بعيدا عن الانتماءات والانحيازات الأيديولوجية الضيقة.

بشكل عام اثبت شعب تونس ان شعوبنا العربية تتغير. نحن لا نعرف على وجه الدقة طبيعة هذا التغير، ولا متى وكيف سيتم التعبير عن هذا التغيير.

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news