العدد : ١٥١٧٩ - الاثنين ١٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٧٩ - الاثنين ١٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

في ضوء الاعتداء على المنشآت النفطية السعودية:
حلف «الناتو» وأسس في التدخل الصراعات الإقليمية

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٢٣ ٢٠١٩ - 01:00

في أول تصريح له عقب الهجوم على المنشآت النفطية التابعة لشركة أرامكو السعودية قال ينس ستولتنبرج الأمين العام لحلف الناتو «ان إيران تزعزع استقرار المنطقة بالكامل» وأضاف «ندعو جميع الأطراف الى التوقف عن تكرار مثل هذه الهجمات لأنها قد تخلف آثارًا سلبية على المنطقة بأكملها»، مشيرًا إلى أن «الحلف يشعر بقلق كبير من التصعيد».

وواقع الأمر أنه مع احتدام الأزمات الإقليمية دائمًا ما تثار تساؤلات حول دور القوى الكبرى والمنظمات الدفاعية ذات الثقل والتأثير والخبرة في التدخل عبر التاريخ في صراعات مماثلة، ومن بين المنظمات الدفاعية التي أثارت – ولا تزال - تثير التساؤلات منظمة حلف شمال الأطلسي «الناتو»، ذلك التنظيم الإقليمي الدفاعي الأبرز في العالم.

التساؤلات جميعها منطقية ومجملها أين حلف الناتو من الصراعات الإقليمية الراهنة, وذلك في ظل التحول الجوهري الذي طرأ على استراتيجية الحلف الدفاعية ومضمونها عدم انتظار وصول التهديدات الى أراضي الدول الأعضاء الـ29 في الحلف وإنما انتهاج سياسات استباقية لدرء المخاطر من خلال التدخل في بعض الأزمات خارج أراضي الحلف؟ إلا أن الإجابة عن معايير تدخل الحلف في الأزمات لا تخلو من تعقيد بقدر تعقيد تلك الأزمات ذاتها واللاعبين فيها، فضلاً عن تعقيد تفسير قرار الحلف التدخل في أزمة ما والإحجام عن أخرى.

وتأسيسًا على ما سبق فإن هذا المقال يعد محاولة لتفسير نهج الحلف خلال الأزمات وأسس ومحددات التدخل وجميعها نقاط مهمة من شأنها تفسير الكثير من نقاط الالتباس وإزالة الكثير من الغموض حول دور الحلف تجاه الصراعات خارج أراضيه عمومًا وتجاه منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي على نحو خاص.

ربما لم تثار تلك التساؤلات بشكل جلي قبل عام 2011 عندما تناقلت وسائل الإعلام العالمية خبر إعلان تدخل الحلف في الأزمة الليبية وهي المرة الأولى التي يتدخل فيها الحلف كمنظمة دفاعية في إحدى أزمات المنطقة العربية الأمر الذي استقطب اهتمام العديد من المهتمين بسياسات الحلف ليس بسبب ذلك التدخل الذي أرجعه مسؤولو الحلف الى مرجعية قانونية دولية وهي قراري مجلس الأمن رقمي 1970 و1973, وما اعتبره الحلف دعمًا إقليميًا من خلال قرار مجلس الجامعة العربية رقم 7298 الذي تضمن الطلب من مجلس الأمن تحمل مسؤولياته إزاء تدهور الأوضاع في ليبيا، ولكن أثار ذلك التدخل تساؤلات لاحقة مفادها لماذا لم يتدخل الحلف في الأزمة السورية على غرار الحالة الليبية؟ الأمر الذي حدا بالأمين العام للحلف آنذاك الى كتابة مقال مطول موضحًا فيه معايير وأسس تدخل الحلف في الأزمات خارج أراضيه عمومًا.

وقبيل الحديث عن دور الحلف تجاه الأزمات الإقليمية من الأهمية بمكان إيضاح ماهية تلك المنظمة وآلية عملها، ففي عام 1949 تم التوقيع في مدينة واشنطن على المعاهدة المنشئة لحلف الناتو بين اثنتي عشر دولة لتضم اليوم 29 دولة، ولعل أبرز مواد تلك المعاهدة المادة الخامسة التي تعد جوهر عمل الحلف وتعكس مفهوم أن أمن دول الحلف كل لا يتجزأ حيث تعتبر أن أي اعتداء على إحدى دول الحلف بمثابة اعتداء على الحلف ذاته بما يتطلبه ذلك من تدخل كل دول الحلف لحمايتها وإبلاغ مجلس الأمن بالإجراءات المتخذة في هذا الشأن، ومع أهمية تلك المعاهدة فإنها لا تكفي لفهم كيفية تطور الحلف الذي استطاع التأقلم خلال العقود التي تلت انتهاء الحرب الباردة سواء من خلال إصدار ما سمي «المفهوم الاستراتيجي الجديد» وهو ميثاق أمني رفيع المستوى يصدر كل عشر سنوات يتكامل مع الميثاق المنشئ للحلف ولا يتناقض معه، أو من خلال تأسيس سلسلة من الشراكات عبر مناطق مختلقة من العالم لعل أبرزها مبادرتي الحوار المتوسطي عام 1994 واستانبول عام 2004. 

هيكلية الحلف بها العديد من دوائر صنع القرار لكن الأبرز هما اللجنتان السياسية والعسكرية، حيث يتم من خلالهما اتخاذ القرارات الاستراتيجية للحلف وخاصة بشأن التدخل في أزمة ما، وبعيدًا عن تفاصيل عمل هاتين اللجنتين فإن الحلف قد حدد شروطًا للتدخل في الأزمات أولها: أن يكون هناك إجماع بين الدول الأعضاء بشأن ذلك التدخل حيث يتعين أن توافق كافة الأعضاء على أن أزمة ما تمثل تهديدًا للمصالح الجوهرية للحلف، وثانيها: أن يكون هناك قرار أممي كغطاء قانوني لذلك التدخل، صحيح أنه كانت هناك أزمات قد أثارت جدلاً بشأن مشروعية تدخل الحلف مثل أزمة كوسوفو، فخلال احتدام تلك الأزمة قالت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك «أنه لا يمكن انتظار اتخاذ قرار من مجلس الأمن للتدخل، إن حلف شمال الأطلسي من شأنه أن يتمتع بصلاحيات حفظ الأمن والسلم الدوليين ومواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين وذلك بالتنسيق مع الأمم المتحدة قدر الإمكان», وربما يكون ذلك مفهومًا ضمن نشأة الحلف ذاته والتي تعد وفقًا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة وتعطي الدول فرادى أو جماعات حق الدفاع عن النفس، وثالثها هو ليس ضروريًا بدرجة كبيرة ولكنه يرتبط بإمكانية تقدم الدولة المعنية بطلب للحلف للتدخل وما يتطلبه ذلك من مناقشة القدرات المتاحة والمطلوبة لذلك التدخل.

ولا يعني ما سبق أن تلك الشروط ظلت جامدة وإنما لكل حالة خصوصيتها لارتباطها بالظروف الإقليمية والدولية أخذًا في الاعتبار أن مسألة تدخل الحلف ليست بالأمر اليسير على الدوام.

ولكن هل يعني ما سبق أن الحلف ظل بعيدًا عن الأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي بما يثير التساؤلات حول مسار شراكاته تجاه تلك المنطقة؟

واقعيًا لم يكن الحلف ببعيد عن تلك الأزمات ولكن ليس كمنظمة, فقبل الأزمة الليبية عام 2011 شاركت الدول الرئيسية في الحلف في تأمين ناقلات النفط الخليجية ضد الهجمات الإيرانية خلال الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينيات ثم مشاركة دول الحلف الكبرى في حرب تحرير الكويت عام 1991 وصولاً إلى مشاركة الحلف كمنظمة من خلال تقديم الدعم اللوجستي للتحالف الدولي لمحاربة داعش.

ومع أهمية ما سبق يجب الأخذ في الاعتبار أمرًا آخر وهو أن مسؤولي الحلف دائمًا ما يؤكدون أن الحلف يقدم «القيمة المضافة للأمن» بما يعنيه ذلك من الأمن الصلب والناعم في الوقت ذاته من خلال التدريب وتقديم الاستشارات في المجالات المختلفة وهو ما تمت ترجمته في افتتاح المركز الإقليمي للحلف ومبادرة استانبول في الكويت عام 2017. ومع التسليم بما سبق فإن تصاعد وتيرة التهديدات في منطقة الخليج العربي تملي على مسؤولي الحلف التفكير بشكل جدي في حماية أمن الطاقة والذي يحظى الحلف فيها بتجارب تؤهله للقيام بتلك المهمة. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية 

بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news