العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

مقالات

السعودية المحورية

بقلم: د. وجدان فهد

الأحد ٢٢ ٢٠١٩ - 01:00

استقر خبراء السياسة على تعريف الدولة المحورية بأنها التي تكون في بقعة جغرافية ساخنة، لا تحدد فقط مصير إقليمها، بل إنها تؤثر أيضًا على الاستقرار العالمي، كما تعتبر الدولة المحورية هي المحرك لحماية الإقليم الذي تقع فيه وتصون أمن واستقرار سكّانه.

ولأن الشرق الأوسط بطاقاته البشرية المليونية وإمكاناته الاقتصادية الهائلة من الثروات البترولية والمعادن، والسعي المستمر للدول الغربية باستهدافه عبر تغيير تركيبته السكانية وأنظمة الحكم فيه تحت غطاء نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، فلا غرو أن تكون في الشرق الأوسط أكثر من دولة محورية بينها مصر وتركيا تشترك مع دول أخرى بالعالم كالهند وباكستان واندونيسيا على مستوى أهمية الدور المحوري في التأثير على القرارات الدولية والأحداث العالمية، يسندها في ذلك موقعها الجيواستراتيجي وقدرتها على التأثير في القضايا العالمية ومخزون خبراتها الهائلة في التعامل مع الشؤون السياسية وإدارة الدولة، ولكن أكثر الدول المحورية المتصدرة حاليًا هي المملكة العربية السعودية.

ورغم مرور ثمانية عقود ونيف على توحيد المملكة العربية السعودية وتأسيسها على يدي المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله، إلا أنه لا يزال هناك من ينظر إليها على أنها صحراء ونفط وجِمال، وهي بلا شك نظرة مجافية للحقيقة. فكيف لا تكون دولة راسخة وهي التي استطاعت أن تؤسس نفسها ثلاث مرات بعد كل محاولة للنيل منها، إذ تأسست الدولة السعودية الأولى عام 1744م بأطراف ممتدة حتى الحدود الحالية للمملكة، وتم تدميرها من قبل العثمانيين، ثم استعادت مكانتها بعد مضي عشرين سنة فكانت الدولة السعودية الثانية في منتصف القرن التاسع عشر، والتي تم تدميرها مرة أخرى بعد مضي عشرين عامًا على يد الأتراك في عام 1881م، وتم إعادة بنائها مرة ثالثة عام 1902م في ظل القيادة ذاتها وفي الإقليم ذاته، لذا فهي دولة تمتلك شرعية قوية متأصلة لدى شعبها. 

واستطاعت عبر تاريخها تجاوز العديد من التقلبات والأزمات السياسية، ففي الخمسينيات عندما عصفت الثورات بمنطقة الشرق الأوسط نجت المملكة العربية السعودية من هذه الانقلابات، وذلك بسبب استقرار حكومتها وسياساتها الحكيمة، وفي السبعينيات عندما كان هاجس اقتراب الاتحاد السوفيتي من الشرق الأوسط عملت السعودية لوضع حدّ لتمدد الاتحاد السوفيتي ضمن حدود الشرق الأوسط، ونجحت في ذلك بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية. أما في الثمانينيات وبعد «ثورة الخميني» في إيران واجهت المملكة العربية السعودية بجسارة تهديد الإسلام المتطرف واستطاعت التعامل معه بالحكمة والمنطق والاتزان، وكانت لها السيادة، وعليه فعندما يقلل البعض من قدرة المملكة السعودية على تحقيق الاستقرار في محيطها الداخلي ومع جيرانها في محيطها الإقليمي ودخولها نادي اللاعبين الكبار من الدول المعنية بشؤون الشرق الأوسط فتلك فرية بينة، فهي دولة براغماتية، تتسم بالاتزان وبقرارات واعية ومدروسة. 

واستمرت السعودية في تفنيد كل الآراء المشككة بقدرتها على دعم الأمن والاستقرار بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، إذ كانت أول من تصدى لملاحقة المرتكبين لجرائم الإرهاب والأموال والأيدلوجيات الداعمة للإرهابيين، وتبددت وقتذاك هواجس من ظنوا أن الإسلام المتطرف و«القاعدة» ستعمل على زعزعة استقرار المملكة العربية السعودية. 

 وها هي السعودية اليوم في مقدمة من يحاربون الإرهاب وتمويله، وتسعى لحل النزاع في سوريا، وفي العراق، وفي اليمن، وفي ليبيا، بجانب تصديها لإيران التي تدعم الإرهاب وتسعى لنشر سياسات طائفية في المنطقة والتدخل في الشؤون الداخلية لجيرانها. فالسعودية تواجه اليوم أكثر من تحدّي في آن واحد وكلها على ذات المستوى من الأهمية.

أما عن الذين يلومون المملكة العربية السعودية في حربها باليمن ومواجهة الحوثيين، فالواقع أن الحرب فُرضت عليها كما تصرح بذلك الحكومة السعودية فلم تكن من بدأت هذه الحرب، أو تريدها، بل إنها فُرضت عليها، فما لا تسمح به السعودية أن تستولي مليشيا متطرفة موالية لإيران و«حزب الله» على بلاد قوامها 26 مليون نسمة في حين أن إجمالي هذه المليشيا لا يتجاوز 50 ألفا.

لقد تجاوبت المملكة العربية السعودية بجانب تحالف ضم عشر دول مع اليمن للدفاع عن الحكومة الشرعية وحمايتها، وتم ذلك بموجب قرار مجلس الأمن رقم (2216)، وكان الهدف أيضا التخلص من التهديد الذي يمس المملكة العربية السعودية وجيرانها.

وإذا كانت المملكة العربية السعودية قد واجهت باقتدار التحديات السياسية والأمنية على مدى سنوات، فإن تحدي التنمية البشرية لا يزال يشكل هاجس اهتمامها الأول لضمان الاستفادة من طاقات شبابها، فهي تعمل على بناء الإنسان السعودي وتوظيف إمكاناته، ضمانًا لمساهمته في نهضة المملكة التي لا تعتمد على النفط فقط، بل تسعى لتنويع اقتصادها وتحقيق التنافسية، وأن تتحول في فترة وجيزة إلى دولة مبتكرة وديناميكية عبر تدشين الرؤية 2030. 

وبعد كل تلك الحقائق والشواهد الجلية فإن الرد على المشككين بقدرة المملكة العربية السعودية على حفظ الأمن والاستقرار وعدم نيتها في التوسع على حساب جيرانها يغدو لا لَبْس فيه، إذ تبقى السعودية متفردة بأنها مهبط الإسلام، وفيها الحرمين الشريفين، وهي قبلة 1.5 مليار مسلم، كما تمتلك المملكة العربية السعودية أكبر احتياطي للنفط على مستوى العالم، حيث يبلغ 25% أو يزيد، مما يجعل منها لاعبًا مهمًّا في اقتصاد العالم، وتتمتع بموقع استراتيجي يمثل نقطة تقاطع ثلاث قارات وهي آسيا، وأوروبا، وإفريقيا، ويمر بها ثلاثة من أهم الممرات المائية في العالم وهي مضيق «هرمز» الذي يعتبر نقطة عبور لما يقدر 60% من نفط العالم، ومضيق «باب المندب»، وقناة السويس، والبحر الأحمر الذي تعبر من خلاله 10% من تجارات العالم، كما أن الساحل الغربي للمملكة يقع على البحر الأحمر، مما يجعل المملكة دولة ذات موقع استراتيجي سواء كان ذلك من حيث النقل البحري أو الجوي. 

ولذا فإن هذه الأمور مجتمعة تجعل منها دولة ذات دور محوري في العالم يحتم عليها نهج السياسات الحكيمة وحفظ أمن واستقرار المنطقة وتهيئة السكينة لما يعادل خمس البشرية من المسلمين. 

فكل التقدم والازدهار للقيادة السعودية الحكيمة وشعبها الشقيق في اليوم الوطني للمملكة، ومقبل الأيام. ودامت لنا السعودية ملاذ العرب وقبلة المسلمين. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news