العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الانتحار.. ظاهرة مفتوحة للنقاش

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٢٢ ٢٠١٩ - 01:00

لم يتمكن العلم التجريبي من أن يقيس أو يعرف أو يصل إلى مدى اليأس أو الاكتئاب أو تلك اللحظة التي قرر فيها المرء أن ينهي حياته بيده، ولم يتمكن حتى من معرفة الأسباب الحقيقية التي يمكن أن تؤدي إلى الانتحار، ولم يستطيع أن يقلل من ظاهرة الانتحار التي تتزايد سنويًا في العالم، فالظاهرة مستمرة ومتزايدة، مما أضطر منظمة الصحة العالمية الى أن تنتج العديد من المنشورات للمساعدة في معالجة هذه الظاهرة إن كانت تسمى ظاهرة، وكذلك اضطرت العديد من دول العالم الى إنشاء العديد من العيادات والمراكز العلاجية الخاصة لمساعدة ومناقشة الأشخاص الذين يحاولون الانتحار أو حتى ذويهم أو أقرب الناس لهم بهدف مساعدتهم على تقبل الحياة والإقبال عليها بدلاً من إنهاء الحياة وإيذاء الذات، كما يشير المصطلح الغربي لظاهرة الانتحار.

تشير تقارير منظمة الصحة العالمية الصادرة خلال السنوات الخمس الماضية (2013 – 2018) إلى تزايد أعداد المنتحرين على المستوى العالمي، إذ وجد أن هناك أكثر من مليون و200 ألف شخص يقدمون على الانتحار في العالم سنويًا، أي بمعدل 3 آلاف شخص ينتحرون يوميًا، وفي مقابل كل حالة انتحار تامة تتم حوالي 20 محاولة انتحار فاشلة، بمعنى أن هناك ما يقارب من 20 إلى 60 مليون محاولة انتحار لم تتم بسبب أو بآخر في العالم سنويًا، وتشير بعض من تلك التقارير الصادرة على مستوى العالم أن 5% من سكان العالم حاولوا الانتحار مرة واحدة على الأقل في حياتهم.

ووفقًا لتقارير منظمة الصحة العالمية فإن الاحصائيات الحديثة تشير إلى تنامي ظاهرة الانتحار لدى كل الفئات على مستوى العالم، وأن معدل الانتحار تزايد بنسبة 60% خلال العقود الخمسة الماضية، وتشير توقعات المنظمة الى أن معدلات الانتحار سوف ترتفع على مستوى العالم بنسبة 50% بحلول عام 2020 لتصل أعداد المنتحرين إلى مليون ونصف مليون منتحر سنويًا.

وكذلك فإن تقارير المنظمة تشير – مرة أخرى – إلى أن الانتحار يُعد أحد أكبر ثلاثة أسباب للموت في الفئة العمرية ما بين 16 – 34 سنة، ومن الملاحظ أن هذه الفترة الزمنية من العمر هي فترة العطاء والبذل والإنتاج، بمعنى أنها فترة الشباب، كما يُعد من بين الأسباب الثلاثة الرئيسية للوفاة لدى الفئة العمرية التي تتراوح ما بين 15 سنة و 44 سنة، وكذلك السبب الثاني للوفاة لدى الفئة العمرية ما بين 10 – 24 عاما، بالإضافة إلى ذلك فقد أشارت تقارير المنظمة إلى أن معدلات الانتحار كانت أعلى بين كبار السن من الذكور ممن تجاوزت أعمارهم 65 عامًا، بالإضافة إلى ذلك فقد اشارت التقارير إلى أن معدل الانتحار في فئة الذكور أكثر منه في فئة الإناث.

وفي دراسة للدكتور حيدر فاضل حسن بعنوان (الانتحار – دراسة نظرية) نشرت في مجلة البحوث التربوية والنفسية يشير فيها إلى أن الانتحار يمثل مشكلة تهدد الحياة وتهدد المجتمع في جميع أنحاء العالم، ففي فرنسا يمثل الانتحار 16% من مجموع وفيات المراهقين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 عامًا و 20 عامًا مقابل 1.65% من الراشدين. وبحسب معدلات الانتحار لكل 100 ألف نسمة من السكان في فرنسا فإن معدل الانتحار لدى الذكور قد بلغ 23% بينما كان في الإناث حوالي 7% عام 2010, وفي الولايات المتحدة وجد أن عدد المنتحرين من البيض يعادل 5 أضعاف عدد المنتحرين من الأجناس الأخرى، وعند مقارنة الإناث بالذكور فقط فإن الإحصائيات تشير إلى أن لكل 100 ألف نسمة ينتحر حوالي 19 ذكرا في مقابل 6 من الإناث. 

ويشير البحث إلى أن معدلات الانتحار بدأت تتزايد في الوطن العربي خلال السنوات العشر الماضية، إذ بلغت في عام 2013 حوالي 4 حالات انتحار لكل 100 ألف شخص بعد أن كانت حالتين فقط قبل تلك الفترة الزمنية، وتشير تقارير المنظمة العالمية – من خلال البحث المقتبس منه هذا الكلام – إلى أن معدلات الانتحار في البلدان العربية ما تزال متدنية مقارنة بمثيلاتها في الكثير من دول العالم مثل أوربا وأمريكا الشمالية ودول البلطيق والدول الاسكندنافية، ووفقًا لتقارير المنظمة الصادرة عام 2013 فقد احتلت كل من مصر والمغرب وتونس والجزائر المراتب الأولى في الانتحار على مستوى العالم العربي في حين تأتي كل من لبنان وسوريا ودول الخليج العربي في ذيل القائمة.

ومن جانب آخر فقد حاولت العديد من الدراسات أن تتوصل إلى الأسباب الحقيقية التي يمكن أن تؤدي إلى الحالة التي يبلغ فيها الإنسان المرحلة الفاصلة بين لحظة الحياة واللحظة التي ينوي فيها المرء أن ينهي حياته بيده، إلا ان الكثير من الدراسات لم تتمكن من ذلك، ولكن في المجمل فإن بعض الدراسات حاولت أن تضع بعض الخطوط العريضة للأسباب العامة الدافعة الى الانتحار، فوجدنا أن الدراسات تقسم الأسباب الدافعة إلى الانتحار ثلاثة أقسام رئيسية هي: أسباب دينية وأسباب نفسية وأسباب اجتماعية وما إلى ذلك، وهي كالتالي: 

أولاً: الأسباب الدينية: لعل من أهم الأسباب الدينية الدافعة الى الانتحار ضعف الوازع الديني، فقد وجدنا من خلال دراستنا لموضوع الانتحار ان كل الدراسات الغربية المادية والعربية أشارت إلى أن ضعف الوازع الديني يُعد من أهم الأسباب العامة أو الدينية التي تسبب وتنشئ ظاهرة الانتحار وتجعلها راسخة في النفس، فانعدام الوازع الديني أو ضعفه، يترتب عليه انعدام الإحساس بوجود الرقيب على تصرفات الفرد وسلوكه، من قول أو عمل، ومن ثم يستهين الفرد بكل الأفعال والأقوال، فيعيش بلا مبالاة، وهذا يؤدي إلى فراغ داخلي، فراغ روحي وفراغ أخلاقي وفراغ عاطفي وفراغ في المشاعر والأحاسيس، وهذا الخواء سيؤدي حتمًا إلى تغلب القيم المادية على القيم الروحية عند الإنسان، فيعيش الإنسان من غير هدف ومن غير قوة إرادة وهذا كله وأمور كثيرة أخرى مرافقة يمكن ان تؤدي ببساطة إلى الانتحار.

ثانيًا: الأسباب الاجتماعية: تتنوع الأسباب الاجتماعية وتختلف من مجتمع إلى آخر، ولكنها في العموم يمكن تلخيصها في بعض الأمور التالية: 

1- غياب الروابط الاجتماعية: تفيد الدراسات الحديثة أن الجزء الأكبر من الشباب – من الجنسين – الذين يقدمون على الانتحار يعانون من غياب الروابط الاجتماعية بين أفراد تلك المجتمعات التي يعيشون فيها، وإحساسهم بالفردية والانعزال، وانقطاع وشائج القربى بين الأب وابنه، وبين الأم وابنتها، وبين الأخ وأخيه، وبين الصديق وصديقه، أضف إلى ذلك طغيان جانب الحياة المادية على حياتهم اليومية.

2- انتشار تعاطي المخدرات والمسكرات: يُعد تعاطي المخدرات والمسكرات بشتى صنوفها وأنواعها من أكثر أسباب انتشار الانتحار بين الناس، وذلك لأن تعاطي المخدرات والمسكرات ثم إدمانها يحدث اضطرابًا وقلقًا في شخصية المدمن تنتهي به إلى حالة من اليأس والقنوط، ومن ثم الانتحار. فتعاطي المخدرات والمسكرات يعتبر الموت معبأ في أقراص وحقنا واسما متنكرا في ألف شكل وشكل، فهي سم قاتل تضر الجسم وتذهب العقل وتسبب الفتور والفقر والهذيان، وتفتح على المدمنين أبواب الشرور والآثام، وتورثهم الفقر والجهل والمرض والحرمان. 

3- العنف الذي يظهر في وسائل الإعلام: تُعد مشاهد العنف والقتل المعروضة عبر وسائل الإعلام أحد الاسباب المؤدية الى الانتحار، وبصفة خاصة لدى الشباب – الذين يعد التقليد من سماتهم المميزة – الذين يفتقدون إلى الخبرة والمعرفة، كما أن توفر النماذج وإساءة وسائل الإعلام في التعامل مع ظاهرة الانتحار كطرح قصص لشخصيات شهيرة قامت بالانتحار، يشجع بعض من يعانون من المشاكل النفسية والاجتماعية والاقتصادية على الانتحار.

4- توافر وسهولة الحصول على الأدوات والوسائل المُعينة على الانتحار مع تنوعها: يساعد توافر وسهولة الحصول على الأدوات والوسائل المُعينة على الانتحار مع تنوعها من مهمة الانتحار لدى بعض الأفراد ذوي الوازع الديني الضعيف.

5- المشاكل الاقتصادية بالأسرة: تؤدى المشاكل الاقتصادية بالأسرة – كالفقر، والبطالة وعدم الحصول على الوظيفة اللازمة والمناسبة على الرغم من الشهادات والمؤهلات، أو فقدان المهنة أو المنزل.. الخ – إلى ارتفاع حالات الانتحار. وقد بينت الدراسات التي أجريت حول الراشدين في هونج كونج مثلاً أن 55% من حالات الانتحار يقوم بها عاطلون عن العمل. وأعربت منظمة الصحة العالمية عن خشيتها من أن تؤدي الأزمة الاقتصادية العالمية إلى ارتفاع حالات الانتحار خاصة بعد إقدام بعض رجال الأعمال على الانتحار.

ثالثًا: الأسباب النفسية: تتعدد الأسباب النفسية التي قد تدفع بالفرد إلى الانتحار، ومن أهمها:

1- الاكتئاب: يقود الاكتئاب إلى الانتحار، وتكون فكرة الانتحار الفكرة المسيطرة على ذهن الشخص المكتئب فإن لم يتم مساعدته سريعًا، يصبح لديه اقتناع كامل بأن الانتحار هو المخرج الوحيد لما هو فيه. وقد أظهرت الدراسات أن أغلب الشباب المنتحرين يعانون من أمراض نفسية على رأسها الاكتئاب الناتج عن الكبت الفكري وعدم استخدام لغة الحوار وفهم ما يجول في الأفكار مما قد يصل بأحدهم إلى إنهاء حياته بيديه خروجًا من الضيق الذي يعاني منه.

2- الهروب من مواجهة المشكلات والمصاعب: يريد معظم الأشخاص الانتحاريون أن يهربوا مما يعتبرونه وضعًا غير محتمل، فالشخص الذي يفكر في الانتحار يرى أنه لا أمل أمامه وهو لا يجد الأمل نتيجة أنه لا يفكر بطريقة صحيحة. وربما يكون الشخص الذي يفكر في الانتحار مصممًا على الهروب من مرض مميت أو مؤلم أو عقاب أو إذلال أو أعباء تثقل كاهله أو ضغوط من أي نوع لا يستطيع تحملها فيجد أن الانتحار هو الحل الأمثل لموقفه.

3- لفت الانتباه: إن من شأن الانتحار كأشياء أخرى أن يشد انتباه الناس فيشعرون بالصدمة، وعليهم تقديم الاهتمام للشخص الذي حاول الانتحار بعد أن تجاهلوه سابقًا. وتكون المحاولة في مثل هذه الحالة غالبًا صرخة يائسة لا طلبًا للاهتمام فحسب بل إنها نداء للمساعدة من الشخص الذي حاول الانتحار. وربما يكون الانتحار هو محاولة الشخص أن يقول (أنا أتألم ويائس ولا أعرف كيف أتعامل مع الوضع الذي أنا فيه، وأحتاج إلى عون وأريد أن ينتبه إلي أحد ويساعدني.. الخ) وربما تكون هذه الصرخة مبالغ فيها فيقوم الشخص بالانتحار لجذب الانتباه وطلب المساعدة ممن حوله، لكن هذا ما رآه الشخص ليعبر به عما في داخله.

4- الإحساس بالذنب: يمكن لمشاعر الذنب أن تسهم في الميول الانتحارية أيضًا، فيكون الانتحار بمثابة أن يوقع الشخص عقابًا على نفسه بسبب خطايا أو تصرفات سيئة ارتكبها ويحس بالذنب بسببها، فعندما لا يوقع عليه المجتمع أو العائلة أو حتى الأصحاب أي عقاب فإنه يختار أن يوقع العقاب على نفسه وغالبًا ما يكون الانتحار هو العقاب الذي يفكر فيه الشخص.

5- الاندفاع المفاجئ: تتسم سنوات المراهقة بالتجريب والاندفاع المفاجئ، وكثيرًا ما يظهر الشباب عدم اعتبار لحياتهم وسلامتهم كما يظهرون أحيانًا انبهارًا بفكرة الموت نفسها. ويخلق المزيج المتفجر من الفضول والاندفاع المفاجئ والشعور بأنهم لا يقهرون – وهذا الشعور متعمق في فكر المراهقين – يخلق داخلهم نزعة إلى الأعمال الانتحارية، والتي يمكن أن تسمى في الكثير من الأحيان بالمغامرات أو الأعمال البطولية، ومن هذا المنطلق جاءت فكرة الكثير من الألعاب الإلكترونية التي تدعوا الأطفال والمراهقين الى الانتحار حتى يفوزوا في اللعبة التي يلعبونها. 

6- التعبير عن الحب: قد يكون الانتحار نوعًا من التعبير عن الحب، فغالبًا ما تكون مشاعر الحب عند المراهقين والشباب البالغين قوية ومخلصة جدًا، ويشكل أي قطع للعلاقة بين الأشخاص كفسخ خطوبة أو وقف علاقة رومانسية أو طلاق أو موت، ضربة قوية سواء للأشخاص المرفوضين أو الأحياء وتتشوه وتتحطم آمالهم في المستقبل ويكون تركيزهم الكلي على حبهم الضائع. ويكون آخر تعبير لهم عن الذات الانتحار والتضحية بالحياة فحبهم أو علاقتهم التي كسرت أهم عندهم من حياتهم نفسها.

وقبل أن نختم مقالنا نجد انه لا بد أن نعرج على أساليب الانتحار التي وجدنا أنها تتفاوت من الأساليب غير العنيفة مثل تعاطي جرعات زائدة من الأدوية أو المواد الكيميائية، إلى الأساليب العنيفة مثل استخدام الأسلحة وقطع الأوردة، أو أن يرمي المنتحر نفسه من أعلى جسر أو مبنى مرتفع، تصل إلى إحراق نفسه بالنار. ويختلف الأسلوب لأسباب توفر الأداة أو رغبة المنتحر في ألاَّ تبوء محاولته بالفشل فيلجأ الى وسائل قاتلة مثل الأسلحة وهذا ما يميل إليه أكثر المنتحرين من الرجال، وبعض المحاولات غير الجازمة تكون بهدف لفت الأنظار أكثر من الوصول الى الموت فتكون الأساليب مثل الأدوية وشرب المنظفات الكيميائية، وهذا ما تميل إليه أكثر النساء المقبلات على محاولات الانتحار.

عمومًا، كل الذي نرجوه ألا تزحف ظاهرة الانتحار إلى مجتمعاتنا التي تتعرض اليوم للكثير من الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية والمالية، نرجو ذلك. 

 

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news