العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

.. ولكـل الأمـم رسـول خاتم!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٢٢ ٢٠١٩ - 01:00

في تقرير إلهي محكم أكدَّ الحق سبحانه وتعالى أن التجارب التي مرَّ بها أنبياء الله ورسله الكرام (صلوات الله وسلامه عليهم) إنما هي تجارب تعبر عن مراحل متغيرة من التاريخ، وكل تجربة عَبَّرت عن مرحلة تاريخية معينة، ويجمعها قاسم مشترك هو الدعوة إلى التوحيد، وما عدا ذلك من أمور الناس فهي خاصة بكل قوم وبما جرى لهم مع أنبيائهم (عليهم الصلاة والسلام)، ولأن جميع الشرائع التي جاء بها الأنبياء خاصة بقوم معينين، وبفترات تاريخية محددة، وبأزمنة خاصة، قال تعالى: «ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون» (يونس: 47). 

من أجل هذا قص القرآن الكريم على رسوله محمد (صلى الله عليه وسلم) ما دار بين الرسل وأقوامهم، فصار لدى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حصيلة من العلوم والمعارف التي لم يحظ بها نبي قبله، وكان الكفار يعجبون من هذا الكم الهائل من العلوم والمعارف التي يحدثهم بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو الأمي الذي لم يجلس إلى معلم يأخذ عنه القراءة والكتابة، وكان الكفار يحاولون التشكيك في أصل هذه المعارف حتى ينفوا عنه صلى الله عليه وسلم صفة الرسالة، وفاتهم أن مصادر هذه العلوم والمعارف هو وحي من الله تعالى، قال سبحانه: «نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين» (يوسف: 3)، حتى أنه لما ثار الجدل حول فتية أهل الكهف، قال الله تعالى حسما للخلاف: «نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى (13) وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا (14) هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بَيِّن فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا (15)» (الكهف).

واصطفاء الرسل، وإرسالهم إلى الناس على فترات من التاريخ كان لا بد منه لإعداد البشرية للدين الخاتم الذي جمع الخاتمية من أطرافها: خاتمية في الرسول، وخاتمية في الرسالة، وخاتمية في المعجزة، وخاتمية في الأمة، يقول تعالى: «إنَّا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير» (فاطر: 24).

إذن فإرسال الرسل على فترات من الزمن، وإلى بيئات مختلفة، وإلى أقوام معينين جزء من الإعداد الإلهي لرسوله محمد (صلى الله عليه وسلم) لتلقي الرسالة الخاتمة إلى الناس كافة، وإلى الأمم قاطبة، قال تعالى: «قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون» (الأعراف: 158).

فإذا كان لا بد لكل قوم من رسول يبشرهم وينذرهم، وهو ليس معنيا بغيره من الرسل، وقومه ليسوا معنيين إلا بأنفسهم، وبما يواجهون من مشاكل عصرهم، وبالحلول والأحكام الفقهية التي يقدمها لهم نبيهم، فما بال الأمم التي جاءت بعد ختام الرسالات السماوية بعيسى ابن مريم (على رسولنا وعليه الصلاة والسلم)؛ لا بد لهذه الأمم من رسول جامع مانع، وذلك بعد تمام البشرية رشدها العقلي، فكان على نبي الله عيسى ابن مريم أن يختم رسالته ببشارة مجيء النبي الخاتم الذي لا نبي بعده، قال تعالى: «وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين» (الصف: 6).

إذن فقد جمع الله تعالى لرسوله الخاتم محمد (صلى الله عليه وسلم) كل التجارب التي مرت بها الرسل الكرام مع أقوامهم، وما عانوه منهم، وكان صلى الله عليه وسلم يقص على قومه وعلى البشرية من بعدهم هذه القصص، وكان قومه يعجبون من هذه العلوم والمعارف الواسعة من نبي أمي لم يؤثر عنه أن نظم بيتا من الشعر، أو خط حرفا من كتاب، وهم ينكرون عليه هذه النبوة، وكان كل هذا يدخل -كما سبق أن بَيَّنا- في باب الإعداد لخاتمية هذا النبي (صلى الله عليه. سلم)، ولقد أشار إلى هذا في الحديث الذي رواه أبو هريرة (رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «فُضلت على الأنبياء بست: أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأُحلت ليَ الغنائم، وجُعلت ليَ الأرض مسجدا وطهورا، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون» رواه مسلم.

هذا الحديث العظيم يؤكد أفضلية الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) وخاتميته، كما يؤكد أنه أُرسل إلى الناس كافة، فهو رسول لكل الأمم، بينما كل نبي أرسل إلى قومه خاصة. ولقد أقر الله تعالى لرسوله محمد (صلى الله عليه وسلم) هذه الخاتمية في قوله تعالى: «ما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما» (الأحزاب: 40).

إذن فرسالة الإسلام هي الرسالة الخاتمة، ودين الإسلام هو الدين الكامل الذي لن يُقبل غيره يوم القيامة، قال تعالى: «ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين» (آل عمران: 85)، وشريعته هي الشريعة التامة التي استوعبت الآيات المحكمات لأركان الإسلام، وأركان الإيمان، أما الأحداث التي تطرأ على المسلمين فإن في اجتهاد الأمة التي لا تجتمع على ضلال متسع لها.

ويبقى رسول الإسلام محمد (صلى الله عليه وسلم) هو إمام الأنبياء والمرسلين، وإن كان آخرهم بعثة إلا أن الإمامة لا تقاس بالزمن ولكن تقاس بالأفضلية والاصطفاء، أكد ذلك الله تعالى في حدث الإسراء والمعراج لما حان وقت الصلاة وقدم الأنبياء جميعهم من لدن آدم إلى عيسى ابن مريم عليهم الصلاة والسلام، قدموا محمدا (صلى الله عليه وسلم) ليؤمهم في الصلاة، فصار بذلك إمام الأنبياء والمرسلين نصا: قرآن وسنة، وواقعا: في بيت المقدس، كما جمع له القبلات كلها: قبلة اليهود والنصارى في بيت المقدس، وقبلة الإسلام المسجد الحرام، فلم يبق بعد فضل لنبي عليه صلى الله عليه وسلم، وهو حين يذكر في القرآن في معرض ذكر أولي العزم من الرسل يذكر أولهم، قال سبحانه وتعالى: «وإذ إخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا» (الأحزاب: 7).

وهكذا إذا كان لكل أمة رسول فإن للأمم جميعها رسول خاتم، هو محمد بن عبدالله رسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم). 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news