العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

الثقافي

الأنثى في القصيدة الأدونيسيّة

السبت ٢١ ٢٠١٩ - 10:35

من خصوصيات الفاعلية الشعرية عند أدونيس، تفرده في التعامل الشعري مع العنصر الأنثوي من منطلق رؤيوي، فيه ميل للميتافيزيقيا، متعديًا بالمؤنث منطقة الممنوع، منتهكا المحظور، حتى لا قيد يعيقه، ولا شرط يوقفه، وهو يمضي في مساندتها والانتصار لها.

وإذا سلمنا أن ادونيس هو أول من كتب قصيدة النثر، فإن من المنطقي أن يكون في مساندته الأنثى، الأوفر حظا في التصدر لفئة الشعراء المنفلتين من المنظومة الفحولية، المتنازلين عن الاعتداد الأبوي، ثقةً بجدارة الأنثى، وإيمانا بأحقيتها في أن تكون الواضعة لا الموضوعة، والصانعة لا المصنوعة.

وما مراهنة ادونيس على أنثوية اللغة؛ إلا طريق فني بلور له رؤاه، وأدخله في منطقة الكتابة النسوية، من خلال دورين ازدواجيين اقتضيا منه التأسيس لخطاب أدبي أنثوي، حقيقي الانوثة، فهو لا يطلب للمرأة الشراكة، وإنما يريد لها الاستقلال والتفرد أو الفردانية، وهذا هو روح الانوار بمفهوم تودوروف. ولأن منظور ادونيس للمرأة انفتاح على المستوى الشكلي، تغدو قصيدته فضاء شعريا مفتوحا، وهو أيضا اقتحامي على المستوى المضموني يواجه بقوة وينتفض بإصرار. 

وبناءً على هذا المنظور غدت المرأة عنده هي الخصوبة بكل ما تعنيه من الدورية واللا نهائية والمركزية، تماما كالارض. ولعل مرجعيات هذا التصور متأتية من تأثر ادونيس بالشاعر سان جون بيرس (1887ـ 1975) الذي ترجم ادونيس أعماله الشعرية الكاملة إلى اللغة العربية. 

ومما هو معروف عن الشاعر بيرس، تطلعه إلى المرأة المثال، في أكثر من ثلاثة أرباع قصائده الشعرية ومنها (جاءت النساء التراجيديات/ النبيلات كذلك على الشرفات/ اللغة التي كانتها الشاعرة/ هذه الانثى عند الكهان/ مساء مرّقى عند إلهية) وفيها يمجّد النساء، لأنهن يشكلن دورية الزمان ومركزية المكان. 

ورمزية هذا التمظهر الاسطوري حول الأنثى، إنما يعكس تبرما مقصودا من الذكورية ومساندة صميمية للأنثوية لتكون في مصاف الملهمة والإلهة والصانعة. ولو لم يكن ادونيس متشرّبا هذا المنظور من بيرس، مستلهما منه مرجعياته؛ لما كان لديه هذا الانبهار الذي يستميل المؤنث في مفاتنه، شاحذا لغته، ومنتهجا خطا شعريا قلما انتهجه مجايلوه من شعراء قصيدة النثر.

 ومثلما أن بيرس نظر للمرأة بوصفها الخصب والنماء وأن الاخر هو الجدب والانضاء، كذلك نظر ادونيس إليها نظرة شعرية حداثية، تعيد لها سطوتها كقيمة لا كموضوع، خارجا بها عن مواضعات النظام الأبوي وثوابته المركزية.

وإذ ليس من اليسير على أي شاعر أن يغادر الاعتداد الذكوري، ويتموضع بعيدا عنه؛ فإن هذه النظرة الشعرية التي يتبناها ادونيس للمرأة ستغدو بمثابة مروق نسقي، ووثوب محمولاتي مبني على الادراك العميق ومنطلق من الوعي المتحفز والروح المغامر سعيًا نحو إنجاح مقصده وإثبات صحة نظرته وديمومتها. 

ومن بيرس ورؤاه الانثوية امتشق ادونيس الشغف بالمؤنث مولعا بتمثيله شعريا، وتبنيه ثقافيا في صيغة قصيدة كتابية أهم سماتها، انشقاقها على النظام البطرياريكي المعظّم لشفاهية الانساق اللغوية، والمستبدل للايقاع الصوتي السماعي بـالايقاع البصري، ناهيك عن ملامح أسلوبية اخرى مثل التواشج في ادائية الحكي وتوظيف المونولوج والمونتاج الزماني، وغيرها من تقانات الاشتغال السردي الذي يمنح البناء الشعري مراوغات ومفارقات، أتاحت لأدونيس أن يتخطى بقصيدة النثر إلى ما بعدها.

 وهذا التطلع بقي مرافقا له في أغلب أعماله الشعرية، ولان ادونيس من المدافعين عن الحداثة، والمنخرطين في المرحلة ما بعد الكولونيالية، لذلك لم ير النساء جنسا آخر، أقل شأنا من الرجال؛ وإنما آمن أن لهن زمنهن المتعدد، زمن النسوية وزمن ما بعد الكولونيالية، بما ينفي فرضية الاختلاف الثقافي. وما الاشتطاط الذكوري عن المنظومة البطريركية؛ إلا تعبير ثقافي عن الانشطار في الانساق والازدواج في المواضعات ومداومة الخرق ونبذ الاتباع ومنافاة المسايرة لكل ما هو مقولب ومنتوج.

وفي ديوان (تاريخ يتمزق في جسد امرأة) تتم المراهنة الاودنيسية على هذا الاشتطاط، بقصيدة نثر طويلة ذات درامية ممسرحة وأصوات متعددة وتحبيك تتصارع فيه شخصيات خمس، والمرأة هي التي تؤدي دور البطولة في حين يمثل طفلها والرجل الذي يحمل الكتاب والراوية والجوقة الشخصيات الثانوية التي تدور في خضم بناء مكاني، يوصف بأنه مقفر، ووقت أفولي هو الغسق. 

وليس اتخاذ المرأة بطلة تدور حولها سائر الشخصيات الاخرى، هو ما يعطي للقصيدة جنوسيتها النسوية فحسب؛ بل طبيعة الصراع الذي تتمحور حوله الشخصيات كلها، هذا الصراع الذي اتخذ شكل نزوع جنوسي يسعى إلى تبرئة الصوت الأنثوي من التأثيم الذي لحق به جراء الاصوات الذكورية الاخرى، وهكذا علا صدى بوحه بالقهر والاستغلال والخوف، مأثّما الفحولة نفسها، ومفندا بطولاتها التي أقامتها على أنقاض الانثوية التي أرادها هامشا تابعا ليس إلا..

وإذا كان تلمس دلائل التمركز النسوي، ممكنا في تجليات الاشتغال المسرحي داخل المتن النصي للقصيدة، فإن للاشتغال الخارج نصي تدليل آخر على النزوع الجنوسي للنسوية، التي تتضح في لوحة الغلاف الأمامي وقد صممها الشاعر بنفسه، جاعلا العنصر الانثوي مهيمنا فنيا فيها. وجدير بالذكر أن ادونيس هو الشاعر الذي ما طبع ديوانا شعريا؛ إلا وقام بتصميم لوحة غلافه.. ولا غرو أن يستثمر الشاعر تعدد مواهبه ما بين الدرس البحثي والتجديد الشعري والتفنن التشكيلي في أن يعطي لرؤاه تجسديا تمثيليا، يضفي مزيدا من القصدية الرؤيوية والتجريبية الكتابية الباحثة عن نسوية القلب والتمرد. 

واللوحة التي وظّفها في هذا الديوان اتخذت من الفراشة، رمزا للأنثوية المضحية في سبيل الحقيقة. وهذا ما جعل الفراشة تطلق آهاتها ليتوزع الصوت حروفا مقطعة وقد تمزق الجسد وانفصل عن الرأس وتطايرت بعض اجزائه في حين ارتقت الروح فبدت الاجنحة بوهج النار أكثر شفافية في حمرتها القانية. 

إن الفراشة هنا هي المعادل الموضوعي للمرأة في تاريخها الممزق والمحترق، وقد أحاطت بها الفحولة محاولة تغييب وجودها، بالاتكاء على مرجعية أسطورية عن الإلهة الأم الكبرى اورورو أو تيامة التي تنكر لها ابناؤها الذكور وفي مقدمتهم الاله انكي واستغلوا تسامحها مستحوذين على مكانتها، متفردين في السيطرة على العالم والتحكم به..

هذه التوليفة الاسطورية تجتمع رمزيا في لوحة الفراشة المحترقة، كإعلان مبدئي للاشتطاط الرؤيوي عن المنظومة الابوية، ناظرا إلى المرأة أصلا أموميا وتاريخا منسيا، حجبته الذكورة وغيبته، فضلا عن انبجاس صوفي تتماهى فيه المرأة ملهمة وإلهة.. 

وكثيرا ما وظّف الشعراء ذوو النزعة الصوفية في أشعارهم هذه الصورة الروحانية للفراشة وأجنحتها المحترقة حبا للضوء والعرفان، ومثلما أن في احترق الفراشة وحدتها، فكذلك في تضحية المرأة في سبيل أمومتها ما يؤكد انثويتها المناضلة، وبذلك حققت لوحة الغلاف وظيفتها، كعتبة نصية تساعد في الولوج إلى البناء الشعري والتغلغل في تضاعيفه.

أما العنوان فهو الآخر عتبة ذات مدلولات، ترمز للذكر المهزوم، ممثلا بالتاريخ الذي كانت مقصدية جعله نكرة جنبا إلى جنب الفعل (يتمزق) تدلل على الانكسار والاندحار. 

وإذ يتمزق التاريخ في جسد امرأة؛ فإن التاريخ البديل سيكون هو تاريخ الانثوية الذي به تستعيد المرأة أسبقية كينونتها وتشكلها الميثولوجي والديني. 

إن هذه النزعة المتمردة على المهيمن الذكوري والمستعيدة لمكانة العنصر الأنثوي، ستبدو حاضرة عند أدونيس في كتاباته على تشعبها وتباينها. لتغدو قصيدته قصيدة متمردة بتمظهرها في صورة المرأة المناوئة للآخر، المضادة له والناقمة عليه.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news