العدد : ١٥١٨٤ - السبت ١٩ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٤ - السبت ١٩ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ صفر ١٤٤١هـ

الثقافي

ســــرديـــات: في تاريخ «صناعة اللوم» عالميا... حدود الندم... حدود الغفران!

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ٢١ ٢٠١٩ - 10:27

في رواية «جزيرة اليوم السابق» للروائيّ والناقد السيميائيّ الإيطاليّ إمبرتو إيكو كان البطل روبيرتو عندما يواجهه والداه أو أيّ فرد من محيط عائلته باللوم والتوبيخ الشديد على أخطائه، يخاطب نفسه بأنَّ الذي ارتكب تلك الأخطاء ليس هو وإنّما أخوه! لقد كان روبيرتو يتخيّل وجود هذا الأخ رغم أنَّه لم يكن حقيقيًا! لقد كان هذا الأخ «الوهميّ» من صنع روبيرتو فقط! ولا يوجد إلا في متخيّله فقط! ما الذي يصنع ثقافة اللوم المتجذِّرة بعمق في ثقافات العالم كلّه على اختلاف المنظومات الترميزية، وعلى اختلاف المتخيّل الجمعيّ الذي يحتفي بهذه الثقافة؟! 

اشتغل ستيفن فاينمان الأستاذ الفخريّ في السلوك التنظيميّ في كلية الإدارة بجامعة باث في المملكة المتحدة على تتبع ثقافة اللوم في العالم. نشر فاينمان مجموعة كبيرة من الدراسات المتخصصة والكتب الأكاديميّة التي تُعنى جميعًا بعالم الأعمال والبيئات المؤسساتيّة، ومنها «تنظيم العمر والعمل: مقدمة قصيرة جدًا». ويُعد كتابه «صناعة اللوم، المساءلة ما بين الاستخدام وإساءة الاستخدام»The Blame Buisness: The Uses and Misuses of Accountablity واحدًا من أبرز رهاناته البحثية في علم سلوك الأفراد والمؤسسات.

يرى فاينمان أنّه عندما يحدث خطأ في حياتنا يكون رد فعلنا الغريزيّ الاستنفار بحثًا عن شخص نلومه. فاللوم متأصِّلٌ في مجتمعاتنا بطرقٍ لا حصر لها، إذ نراه يغرسُ بذور الحقد والانتقام، يفصل ما بين الأحبّة وزملاء العمل، ويقسّم المجتمعات والأمم. ومع ذلك، يظلُّ، حين يتمّ توجيهه بشكلٍ مناسبٍ، حاميًا للنظم الأخلاقيّة والقانونيّة. ويركز فاينمان على جذور الّلوم ومظاهره الدائمة، من تعقب الساحرات في الماضي إلى البحث اليوم عن أكباش فداء؛ دارسًا عصرنا الذي يتفاقم فيه الاستياء من المؤسسات الحكوميّة والخاصة. وهو يتساءلُ في نهاية المطاف عن كيفية تخفيف آثار اللّوم، طارحًا أسئلة حاسمة عن حدود الندم والغفران، ودور الاعتذارات التي تقدّمها الدول عن أخطائها التاريخيّة ومدى قدرة العدالة التصالحيّة على النجاح.

فسَّر المحلَّل النفسيّ كارل يونغ سلوك اللوم المتأصِّل تاريخيًا وثقافيًا في سلوك جماعات البشر منذ بدء الخليقة بأنَّه نسخة متطرفة من ميول نحملها جميعًا: أيّ الدافع عميق الجذور لإلقاء اللوم على الآخرين؛ فحماية الذات تجعلنا نشعر على نحو أفضل لأنّنا نتجنب الاعتراف بالمسؤولية الشخصية. واقترح يونغ وجود جانب قابع في الظلّ في شخصيتنا تقيم فيه العيوب وسمات الضعف وانعدام الأمن والعدوانية والكراهية والدوافع الجنسيّة، ولكننا نطرد هذا الجانب من وعينا. ومع ذلك فإن هذا الجانب يواصل تشكيل سلوكنا المعتد بنفسه في إدانة الآخرين على أخطاء لا نستطيع الاعتراف بوجودها في أنفسنا. وقد أوضح يونغ أنَّ المنطقة الظليّة فينا تعمل على المستويين الفرديّ والجماعيّ. ففي المستوى الجماعيّ، تسقط الجماعات ظلها الجماعيّ، من فشل اقتصاديّ وتحيّز وانحياز ومخاوف، على كبش فداء مناسب، أمة أو طائفة أخرى مثلاً. لهذا يتمّ اختراع أهداف جديدة، أشخاص نلومهم وأكباش فداء، فيما تختفي الأهداف القديمة. و«القبائل السعيدة» تعلو على حساب ضحايا بائسين.

وعلى مدى قرون طويلة من تاريخ البشرية أسفر التنمر الثقافيّ والاجتماعيّ عن وقوع «ضحايا حقيقيين» بسبب «صناعة اللوم»، وطال هذا التنمر وصم الأفراد والجماعات باللوم والعار. وتاريخيًا كان هناك فولكلور «التجريس»؛ حيث يحمل القرويون أبواقهم وأوانيهم وأجراسهم، ويعزفون «موسيقى مزعجة» rough music قرب مساكن الأشخاص الذين يعتدون على القيم الأخلاقية، مصدرين أصواتًا نشازًا من شأنها لفت انتباه الجمهور إلى مرتكبي الخطايا: الزانين من يضرب زوجته، الأم غير المتزوجة، الأرملة أو الأرمل حين يتزوجان مرة أخرى! وفولكلور «التجريس» ليس إلا إفرازًا وتشكلاً تاريخيًا لثقافات اللوم!

تطفئ ثقافات اللوم، كما يرى فاينمان، روح المبادرة الشخصية وتشجع حماية الذات. وتولّد هذه الثقافات ما يسميه الأستاذ في علم النفس جيمس ريزون «متلازمة الأنظمة الهشة»؛ إذ تصبح المؤسسة أكثر ميلاً للعطب والأخطاء. وقد يغدو الأمر كارثيًا في أوقات الأزمات التي تتطلب استجابة خارجة عن المألوف، وهو بالتحديد ما تعجز ثقافة اللوم عن تحقيقه. تقع ثقافة اللوم على النقيض من الثقافة التي يتمتع فيها الأشخاص بحرية الاعتراف بالأخطاء وتقديم الاقتراحات، الثقافة التي تتيح لهم أن ينضموا إلى الآخرين من أجل معالجة المشاكل. هذه الثقافة ليست خالية من اللوم، ولكنها تتميّز بشكل أساسيّ بالانفتاح والشمولية والإنصاف، أيّ أنَّها بتعبير آخر تكون «عادلة». تشجع «ثقافة العدل» أعضاء المؤسسة على التعبير عن انتقاداتهم وشكاواهم وإنذاراتهم وأخطائهم من دون الخوف من التعرض للوم، أو من التحوّل إلى ضحايا. وبدلاً من أن يُلام الافراد على أعطال أو أخطاء لا تقع تحت سيطرتهم، يجري تحليل أعمق وتاريخيّ للخطأ. وتستفيد ثقافات العدل إلى أقصى حد من «تعلم الحلقة الثنائية» double_loop learning، حيث يعود المحلل (المدير، المحقِّق، الموظّف) إلى مسرح الجريمة، بمعنى ما، ويستكشف السياق الأوسع، والسياسات العامة، والافتراضات التي أتاحت وقوع الحادثة في المقام الأول. إنَّ تعلم «الحلقة الثنائية» هو نقيض «تعلم الحلقة المنفردة» single_lop learning الذي يعد الأضيق نطاقًا، كونه يحدّد الجاني، ويُلقي اللوم عليه لا ينظر إلى ما هو أبعد من ذلك.

وتحقق ثقافات العدل العدالة التصالحيّة Restorative Justic فهي لا تدع المدانين يفلتون من شباكه. لكنها تمكن كلا الطرفين من الالتقاء في محاولة للتوصل إلى تفاهم متبادل. ثمَّة مساحة للندم أمام الجاني، وفسحة للمغفرة أمام الضحية. وقد تمَّ تطبيق العدالة التصالحّية في المدارس وأماكن العمل وبين الأمم وقضت بطريقة ما على ثقافات اللوم. كتاب «صناعة اللوم» من ترجمة ماهر الجنيديّ، ومن إصدارات مشروع «كلمة الإماراتيّ للترجمة. ثمّة بعض التقاطع بين هذا الكتاب وكتاب «الذاكرة، التاريخ، النسيان» للمفكر الفرنسيّ بول ريكور في مفهوم النسيان والغفران، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالأخطاء التاريخيّة الكبرى التي ارتكبتها بعض الدول والجماعات. وستيفن فاينمان يدعو إلى «العدالة التصالحية» في حين أنَّ بول ريكور دعا إلى كوجيتو الإنسان القادر: أنا أقدر إذن أنا موجود! ولا يعني الغفران عنده النسيان مطلقًا. 

أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث المساعد،  كلية الآداب، جامعة البحرين.

dheyaalkaabi@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news