العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

تأملات إيمانية في آيات القرآن الكريم
(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ. بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ)

الجمعة ٢٠ ٢٠١٩ - 11:17

بقلم: د. محمد عطا مدني 

وردت في القرآن الكريم أربع آيات كريمات تذكر عظيم خلق الله عز وجل لظاهرة تربط بين المياه العذبة والمالحة، وأنها من عجائب آياته التي أبدعها سبحانه وتعالى في هذا الكون، وهذه الآيات جاءت في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ، وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا) (الفرقان53)

(أَمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (النمل61)

(وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ) (فاطر12)

(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) الرحمن19- 21)

وتشير هذه الآيات الكريمات إلى الظاهرة الطبيعية المتمثلة في بعض المسطحات المائية كالبحار والمحيطات والأنهار، والتي توضح أن هنالك برزخا في بعض البحار، يمثل حاجزا بين المياه العذبة والمياه المالحة، وهذا الحاجز لا يظهر أحيانا للعيان، وقد خلقه الله بقدرته الغالبة، ليمنع به اختلاط الماء العذب بالماء المالح، رغم التقاء الماءين. 

وتتواجد مثل هذه الظاهرة في أعماق الخليج حول جزر البحرين، حيث اكتشف منذ قديم الزمان عدد وفير من العيون الطبيعية البحرية العذبة، وهي تنتشر بصورة أساسية على امتداد السواحل الشرقية والشمالية الشرقية عند جزيرة سترة وجزيرة المحرق، وتنتشر بدرجة أقل على السواحل الشمالية لجزيرة البحرين عند السنابس وباربار والدراز، وهذه الينابيع تعتبر دليلا على المعجزة التي ذكرها القرآن الكريم قبل آلاف السنين، واكتشفها الغواصون فيما بعد، والتي تتمثل بوجود عيون ماء عذبة وسط مياه البحر المالحة، إذ كان العاملون على السفن البحرينية القديمة، يترددون على هذه الينابيع المتدفقة من جوف البحر، ويتزودون منها بالمياه العذبة. 

ولقد كشفت الأبحاث العلمية الحديثة في علوم البحار، عن تواجد هذه الظاهرة في أماكن كثيرة في العالم عبر المحيطات والبحار والأنهار، حيث تشكل المسطحات المائية غالبية مساحة الكرة الأرضية، وأحيانا نرى تلك الظاهرة بأعيننا، فنرى تلامس أسطح الماءين عند مستوى الإلتقاء مع عدم بغاء أحدهما على الآخر، على الرغم من حدوث التيارات المائية والدوامات البحرية فيحدث الخلط بين الماءين، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بلفظ (المرج)، أي الخلط المؤقت وليس الاختلاط، ثم لا يلبث كل منهما إلى العودة إلى طبيعته المنفصلة. ويرجع العلماء عدم اختلاط الماءين إلى اختلاف كثافة كل منهما، حيث إن كثافة الماء العذب أقل من كثافة الماء المالح، ولكن هذه النظرية لا تحل المشكلة، ويبقى السر فى خلق الله وإبداعه قائما جليا للعيان، فمياه كل من البحر المتوسط ومياه المحيط الأطلنطي كلاهما مالحة، ولكن الأبحاث أثبتت أن مياه البحر المتوسط عند مضيق جبل طارق، لا تختلط ولا تمتزج بمياه المحيط الأطلنطي، بل وتهبط أسفل مياه المحيط بعمق يصل إلى 1135 مترا، وقد أرجعوا ذلك إلى الفرق فى كثافة مياه كل منهما المرتبطة بنسب الملوحة، ولكن وجد أن كثافة مياه البحر المتوسط تختلف عن كثافة مياه المحيط بفرق ضئيل جدا، قدر بحوالي (0.05%)، إذا، فالكثافة ليست العامل الوحيد.

وبتواصل الأبحاث في علوم البحار، بدأ العلماء يحيطون بأسباب الظاهرة، فقد اكتشف قانون جديد سمي (قانون التوتر السطحي Surface tension law)، وهو يعبر عن القوة التي تشد جزيئات الماء لبعضها البعض، وتحافظ على تماسكه، وتتغير هذه القوة مع كثافة الماء ودرجة حرارته ونسبة الملوحة فيه وغير ذلك من العوامل، فنجد أن النهر العذب له خصائص تختلف تمامًا عن البحر المالح، وقد أطلق العلماء على هذا الحاجز المائي الذي يفصل بين الماءين (Saltwater freshwater interface)، وقد جاءت الكلمات القرآنية التي تصف هذا الحاجز المائي في غاية الدقة، فقد وصفته بأنه برزخ (Interface)، والبرزخ كما هو معروف هو حاجز أو حالة انتقالية تقع بين مرحلتين أو حالتين مختلفتين. وأما كلمتا (َحِجْرًا مَحْجُورًا) فتصف هذا الحاجز بأنه كالحجر (بكسر الحاء)، وهو الذي يحجر أو يمنع دخول الأشياء إليه، وهذا ما يقوم به هذا الحاجز أو البرزخ المائي، حيث يمنع دخول الماء المالح إلى الماء العذب، وكذلك الحال مع الماء العذب. أما قوله تعالى (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ)، فالآية الكريمة تعبر عن الوظيفة الرئيسة لهذا البرزخ المائي، وهي منع تدفق واختلاط الماءين. 

إن اكتشاف البرازخ المائية في أماكن كثيرة من البحار، لا يترك لأي إنسان عاقل ومنصف مجالا للشك في صدق القرآن الكريم، الذي أشار إلى وجود هذه البرازخ وبيّن مواصفاتها ودورها في منع مياه البحار المالحة من تلويث المياه العذبة رغم اختلاطهما الظاهري. 

سبحان الله، وتسامى خلقه المبدع، وعظمت قدرته الغلابة، القائل (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (فصلت 53). 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news