العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (92)

الجمعة ٢٠ ٢٠١٩ - 11:16

بقلم: د. غريب جمعة

مع الإمام في رسالته: القياس في اللغة العربية

- الحاجة إلى مجمع لغوي:

يقول الإمام تحت هذا العنوان: قد أريناك أن اللغة العربية بالغة من حسن البيان ما ليس بعده مرتقى، وكانت تجري مع العلوم والحضارة جنبًا إلى جنب فلا يقف عالم أو خطيب أو شاعر إلا وجد في غزارة مادتها وإحكام أساليبها ما يمكنه من إبراز الحقائق أو المتخيلات في برود ضافية محبَّرة. 

ثم أدركها نقص منذ حين وأخذت تتباطأ في مسايرة العلوم والمدنية حتى تقدمها كثير من اللغات النامية وأصبحت هذه اللغات تجول في كثير من العلوم والفنون وتعبر عن معان تقف دونها اللغة العربية صامتة.

لماذا وقفت اللغة العربية صامتة دون معان عبرت عنها لغات أخرى؟

ولم تقع اللغة العربية في هذا التباطؤ وذلك الصمت لقلة مفرداتها أو ضيق دائرة تصريفها، أو إبايتها نقل بعض كلماتها عن معانيها الأصلية إلى معان أخرى تناسبها، ولو كان لهذا دخل في تباطئها لعذرنا أولئك الذين يحاولون صرف الألسنة عنها، ويدعون إلى أن تأخذ كل جماعة بلغتها المعتلة المشوهة، ولعذرنا أولئك الذين يدعون إلى استعمال الألفاظ الأعجمية وحشرها في منشآتنا وأشعارنا وخطبنا ومحاوراتنا وإنما علة ذلك النقص غفلة المعهود إليهم بالقيام على حياة اللغة العربية ومسايرتها للعلوم والفنون والمدنية.

- وسيلة النهوض باللغة العربية:

والوسيلة التي تنهض باللغة أو ترفعها إلى مستوى اللغات الراقية هي الوسيلة التي نهضت بتلك اللغات الحية، وجعلتها تسير مع العلم والحضارة كتفًا بكتف أعني: تأليف مجمع لغوي ينظر فيما تجدد أو يتجدد من المعاني ويضع لكل معنى لفظًا يناسبه، ولا عجب أن تكون اللغات الأجنبية الراقية قائمة بحاجات العلم والمدنية، وأن يكون باللغة العربية خصاصة (فقر وحاجة) من هذه الناحية فإن أصحاب تلك اللغات قد سبقونا إلى عقد المجامع اللغوية منذ أحقاب فالمجمع اللغوي في ألمانيا تألف في سنة 1617م والمجمع اللغوي في فرنسا تألف سنة 1734م. ولم ننس أن كلمات كثيرة حدثت في اللغة العربية لهذا العصر، وأصبحت تجري على ألسنة أدبائنا وتخطها أقلام كتابنا وهي عربية المنبت خفيفة الوقع على السمع آخذة حظها من مناسبة الوضع ولكن العلوم تتدفق تدفق السيل ومقتضيات المدنية تتجدد تجدد النهار والليل، وكل المعاني العلمية والمرافق الحيوية يحتاج إلى اسماء تلتئم مع سائر الألفاظ العربية التئام الدرر النقية في أسلاكها. وتلك الكلمات المشار إليها إنما هي من صنع أفراد قد تنساق إليهم من نفسها فيقع عليها اختيارهم، وتصادف في الناس حاجة فتتلقفها ألسنتهم، وهذه الطريقة لا تشفي غلة العلم ولا تملأ للمدنية عينًا وإنما يشفي غلة العلوم المتكاثرة ويملأ عين المدنية الزاخرة تأليف مجمع لغوي يسير مع العلوم والمدنية لا يتأخر عنها طرفة عين.

- قول ابن حزم في سقوط اللغة وفي الأمة التي تسقط لغتها:

ذكر ابن حزم في كتاب «الإحكام» سنة من سنن الكون في سقوط اللغة فقال: إن اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم أو تنقلهم في ديارهم واختلاطهم بغيرهم.

فإنما يقيد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوة دولتها ونشاط أهلها وفراغهم، وأما من تلفت دولتهم وغلب عليهم عدوهم واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم فمضمون منهم موت الخاطر وربما كان ذلك سببًا لذهاب لغتهم ونسيان أنسابهم وأخبارهم وبُيود (هلاك أو انقراض) علومهم، هذا موجود بالمشاهدة ومعلوم بالعقل والضرورة».

ويعلق الإمام على كلام ابن حزم بقوله:

قد أصاب ابن حزم في حكمه على الأمة التي تقع تحت سلطان من لا ينطق بلسانها من أن لغتها تصير إلى انحطاط وضياع، وهذه سنة لغات الأمم التي يجدها الأجنبي في جهالة ويتمكن من أن يُبقيها في جهالتها أما الأمة المتيقظة لوسائل سلامتها وعزتها فإنها تندفع في ابتغاء هذه الوسائل بكل ما تستطيع من حيلة وتسلك له ما تهتدي إليه من سبل، فلا تألو جهدًا في الاحتفاظ بلغتها والعمل لإعلاء شأنها على الرغم من كل ما يكيد لها ويبري السهام ليرمي مقاتلها وفي البلاد العربية (التي تنطق العربية) شعور ساطع في نفوس شيوخها وشبابها ومن أثره هذا الغيرة التي تملأ ما بين جوانحهم وتهزهم أفرادًا وجماعات إلى النظر في إصلاح ما اختل من أمورنا وإعادة ما تقوض من مجدنا فنحن على ثقة من أن اللغة العربية سترفع راياتها وتفوق اللغات الراقية بغزارة مادتها وفضل بلاغتها وما ذلك من همم أبنائها وطموحهم إلى الحياة ببعيد.

ويسرنا أن نختم هذه الحلقة بشيء مما جاء في مقدمة علامة الشام الشيخ محمد بهجة البيطار للطبعة الأولى (1380هـ-1960م) دمشق. من كتاب الإمام «دراسات في العربية وتاريخها» بخصوص القياس حيث يقول تحت عنوان: القياس في اللغة العربية.

أورد المؤلف لهذا الكتاب في فضل اللغة العربية ومسايرتها للعلوم والمدنية، وحالها في الجاهلية، وارتقائها في الإسلام، وجعله إياها لغة الشعوب وبحث في وجه الحاجة إلى إنشاء مجمع لغوي ليرفع لواء العربية في الشرق والغرب، ثم بعد أن مهد المؤلف تمهيدًا بين فيه حاجتنا إلى القياس في اللغة عقد فصلاً ممتعًا تحت عنوان: «أنواع القياس وما الذي نريده من بحثه في هذا المقالات؟» استهله بقوله تجري كلمة القياس عند البحث في معاني الألفاظ العربية وأحكامها فترد على أربعة وجوه:

1- حمل العرب أنفسهم لبعض الكلمات على أخرى وإعطاؤها حكمها لوجه يجمع بينهما.

2- أن تعمد إلى اسم وضع لمعنى يشتمل على وصف يدور معه الاسم وجودًا وعدمًا فتعدى هذا الاسم إلى معنى آخر يحقق فيه ذلك الوصف وتجعل هذا المعنى من مدلولات ذلك الاسم لغة ومثال ذلك: اسم (الخمر) عند من يراه معتصرًا من العنب خاصة.

3- إلحاق اللفظ بأمثاله في حكم ثبت لنا باستقراء كلام العرب حتى انتظمت منه قاعدة عامة كصيغ التصغير والنسب والجمع.

4- إعطاء الكلم حكم ما ثبت لغيرها من الكلم المخالفة لها في نوعها ولكن توجد بينهما مشابهة من بعض الوجوه، كما أجاز الجمهور ترخيم المركب المزجي قياسًا على الأسماء المنتهية بتاء التأنيث.

ثم قال - بعد أن بسط القول في الأقيسة الأربعة التي أوردنا منها ما يدل عليها: «وهذا النوع من القياس والذي قبله أي: الثالث والرابع - هما موقع النظر، ومجال البحث في هذه المقالات، واخترت للفرق بينهما التعبير عن الأول: بالقياس الأصلي، وعن الثاني: بقياس التمثيل».

وقد ذكر في القياس الأصلي ما يحتج به في تقرير أصول اللغة ومفرداتها وألقى في القياس في صيغ الكلام واشتقاقها نظرة على المصادر والأفعال ومشتقاتها كاسمي الفاعل والمفعول، وأفعل التفضيل.

وقد استشهد بكلام المحققين على الاحتجاج بالكتاب العزيز، وفصل القول في القياس على الحديث الشريف، ثم عقد فصلاً مهما في الاشتقاق من اسماء الأعيان لإصابتها أو إمالتها (قلت: لعله أو إنالتها كما ذكره من بعد ومثل بنحو: شحمه ولحمه: أطعمه) وجاء بعده فصل عنوانه: «ما هو الاستقراء الذي قامت عليه أصول الاشتقاق» وقد حقق فيه أن الأفعال والمصادر التي يسمع لها فروع في الاشتقاق إلى نوعين:

1- منها: ما لم يتصرفوا فيه، على كثرة وروده في محاوراتهم ومخاطباتهم مثل: ويْل، وويْح، ونعم، ويذر، وما يماثلها فيجب أن تبقى على هيئتها من دون اشتقاق منها ولا أدنى تصرف فيها.

2- ومنها: ما لا يكثر في مخاطباتهم حتى يستفاد من وروده بهيئة واحدة أنهم قصدوا إلى ترك تصريفه، فيصح لنا أن نجري قاعدة الاشتقاق في هذا النوع، وإن لم ندر أن العرب تصرفوا فيه على هذا الوجه في الاشتقاق، كاشتقاق فعل واسم فاعل مما سُمع مصدره أو إحداث مصدر لفعل مسموع - مثلاً -.

ثم أنشأ فصولاً قصيرة وغير قصيرة في أنواع الأقيسة الكثيرة، كأقيسة التمثيل والشبه والعلة، وأقسام علة القياس، وأقسام قياس العلة، وشرط صحة قياس التمثيل، ومباحث مشتركة بين القياس الأصلي والقياس التمثيلي والقياس في الاتصال وفي الترتيب، والفصل والحذف ومواقع الإعراب وشرط العمل والقياس في الأعلام، ثم ختم الكتاب باقتراح الأستاذ المغربي في الكلمات غير القاموسية وجوابه على هذا الاقتراح.

وقد بحث الأستاذ في هذه الفصول جميعها بحث الناظر المستقل المستدل فبين في كل منها ما يقبل وما يرد وما يقاس عليه وما لا يقاس، ومذهبه وسط بين المُعْجَمِيين الذين يجمدون على السماع فيما يمكن إجراء القياس فيه لاستيفاء شروطه، وبين من يفتاتون على اللغة فيشتقوا من عندهم أقيسة لا تستند إلى نصوص لغوية ولا قواعد عربية من صرفية أو نحوية ومن هذه الرسالة يُعلم أن المعاجم اللغوية وحدها لا تفيد معرفة الأسس التي يبنى عليها القياس الصحيح من غيره، لأنها لم توضع لذلك بل لا بد من الجمع بين معرفة النصوص ودراسة القواعد والأصول التي تشتق منها الفروع وتجري على مقتضاه الأحكام.

هذا ما كتبته (أي الشيخ محمد بهجة البيطار) في موضوع العلامة الإمام - عليه من الله الرحمة والرضوان والسلام.

دمشق في 28 ذي الحجة 1379هـ/ 22 حزيران 1960م.

(وإلى حلقة قادمة إن شاء الله)

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news